بوابة المجهول

الفصل 11: الفصل الثالث_ أسرار الماضي المظلم

الفصل الثالث_ أسرار الماضي المظلم

القسم الأول_ بداية الحقيقة

قبل أن يجيب العملاق، شعر ساري وكأن المكان كله يتنفس من حوله. أصبح الهواء أثقل، والظلال بدأت تتحرك ببطء فوق جدران القاعة، كأنها تستيقظ بعد سبات طويل. نظر إلى يديه، فلاحظ أن الوشم الملكي على معصمه بدأ يتوهج بلون أحمر داكن، ومع كل نبضة كان يسمع همسات بعيدة لا يفهمها. رفع رأسه نحو العملاق وقال بثبات رغم الخوف: "إن كانت هذه حقيقة أبي... فأنا أريد أن أعرف الحقيقة كاملة... مهما كانت." ابتسم العملاق ابتسامة غامضة، ثم قال بصوت منخفض: "إذًا استعد يا ساري... لأن ما ستراه الآن لن يغيّر ماضيك فقط... بل سيغيّر مصير المملكة كلها." انطفأ كل شيء، وساد الظلام مرة أخرى، وساد معه الصمت المريب الذي اعتاد عليه ساري. ثم أنار المكان فجأة، ليجد نفسه ممددًا في وسط قاعة العرش. نهض، ولكن ببطء، فلم يستطع النهوض مباشرة. شعر بثقل شديد في جسده، ووضع يده على بطنه وهو يلتقط أنفاسه. فتح عينيه وصرخ بدهشة: "ما هذه؟! من أين؟! ماذا يحدث؟!" وفجأة سمع ضحكات شخص أمامه. حاول رفع رأسه فرأى العملاق يقف فوقه مبتسمًا. قال ساري متعجبًا: "أهذا أنت؟!" ضحك العملاق وقال وهو ينحني نحوه: "ها أنت هنا بين أحضاني." قال ساري: "ماذا حصل لي؟" أجاب العملاق: "أنت الآن بدأت تعيش حقيقة أبيك." تجمد ساري في مكانه، بينما كان العملاق يراقب ردّة فعله بصمت. ثم فجأة دخلت امرأة تصرخ: "سيزار...!" اندفعت نحوه واحتضنته بقوة وهي تبكي. أردفت بدموع: "سنهرب... لن نبقى هنا... سيقتلك والدك يا سيزار." في تلك اللحظة شعر ساري بشيء غريب. لم يعد يرى المشهد فقط... بل أصبح يراه بعيني والده. أصبح يسمع ما يسمعه سيزار، ويشعر بما يشعر به. خرج من الغابة مع المرأة، لكنه ما إن خطا عدة خطوات حتى تبدل المكان من حوله. وجد نفسه يرى "سيزار" مبتسمًا، يحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه ويلعب معه، ثم اقترب من زوجته ووضع يده على بطنها وهي تحمل طفلها الثاني. لكن الصورة لم تدم طويلًا. اختفت فجأة، وحلّت مكانها صورة أخرى أكثر قتامة. شعر "ساري" وكأن روحه تُسحب عبر أثير من الجليد والرماد. تداخلت الأصوات في ذهنه كصرخات مبهمة، واستحالت الألوان الساطعة إلى ظلال رمادية كئيبة، فيما هبطت برودة مباغتة على جوفه جعلته يستشعر طعم الدم في فمه. كانت الرؤية تتشوه وتتجمع مجدداً، مصحوبة برائحة خشب محترق ودخان كثيف يخنق الأنفاس، قبل أن يرتطام الواقِع بالواقع وتتحول اللقطة. طرقات عنيفة على باب المنزل. خرج سيزار مسرعًا ليفتح الباب. تجمد مكانه عندما رأى مجموعة من الجنود يتقدمهم والده، بينما كانت زوجته تنظر إليه بخوف شديد وهي تحتضن طفلها. قالت المرأة بصوت مرتجف: "هذه هي الإنسية التي اختبأت معها يا سيزار." نظر إليه والده طويلًا. لم يستطع سيزار الكلام في البداية. ثم قال بصوت حزين: "نعم... أنا أحبها. لقد فرضتم عليّ حياة لا أريدها... ولا يربطني بكم شيء إلا ابني ساري." انتقلت الذكرى سريعًا مرة أخرى. أصبح ساري خارج المشهد يراقب فقط. رأى الجنود يقيدون والده ويسحبونه بعيدًا عن منزله. ثم عاد كل شيء إلى القاعة. سقط ساري على ركبتيه، وأنفاسه متسارعة. قال العملاق بسخرية: "ها... ماذا حدث معك؟" تمتم ساري: "اخرس…" اقترب العملاق وقال: "قل لي ماذا رأيت، وإلا سأفعل لك شيئًا لن يعجبك." نهض ساري وقد نفد صبره وصرخ: "ماذا رأيت؟! وما الفائدة إذا أخبرتك؟!" ابتسم العملاق باستفزاز: "اهدأ... لا داعي للغضب." ضحك ساري بمرارة وقال: "نعم... لا داعي للغضب." سأله العملاق: "هل عرفت جزءًا من الحقيقة؟" أجاب ساري: "نعم... عرفت ما لم أكن أريد معرفته." تنهد العملاق بحزن. قال ساري: "إذن لقد تأكدت... أنا لست إنسيًا." أومأ العملاق برأسه: "نعم... أنت لست إنسيًا." ضحك ساري بسخرية: "ها قد أمنّ عليّ بنسبكم." رد العملاق: "أهلًا بك بيننا." ترددت كلمات العملاق في القاعة الفسيحة، متعرجة بين الأعمدة الحجرية كأنها صدى لعنة قديمة. شعر ساري بأنفاسه تتقطع، وناظَرَ يديه اللتين لم يعُد يتعرف عليهما؛ أكان يمتلك هذا العرق المظلم طوال الوقت؟ أكان الدم الذي يجري في عروقه موشوماً بالخيانة؟ ترامي لسمعه صوت تهشم خفيف في أعماق الجدران، كأن المكان نفسه يبتهج باكتشافه للسر، بينما ارتسمت على ملامح واروين نبرة تملك باردة جعلت أحشاء ساري تتملص رعباً. قال ساري ببرود: "لا تفرح كثيرًا." ساد الصمت للحظات. ثم فُتح باب القاعة فجأة. دخلت امرأة ذات ملامح جامدة. قال العملاق: "أهلًا بك يا والدة ساري... جوانا." أجابت: "شكرًا لك يا واروين." تجمد ساري في مكانه. قال بقلق: "مهلًا... ماذا يحدث هنا؟" اقترب واروين منه وقال: "لا تقلق يا أخي الغالي... سنشرح لك." نظر إليه ساري بصدمة: "هل أنت أخي؟!" أجاب واروين: "بشحمه ولحمه." ثم أشار إلى المرأة: "وهذه أمك... جوانا." همس ساري: "لا أفهم…" نظرت إليه جوانا بحنان وقالت: "لا تغضب يا ساري... ما زلت صغيرًا على كل هذا." كانت نبرة "جوانا" تحمل دفئاً زائفاً، يختبئ خلفه سكون كالمقابر. خطا ساري خطوة إلى الخلف، حيث شعر بأن الحوائط تتسارع بالإغلاق عليه. حدق في عينيها اللتين تشبهان عينيه بشكل مرعب، محاولاً العثور على أي أثر للذكريات القديمة أو حنان الأمومة الحقيقي، لكنه لم يجد سوى ظلال من الحزن العتيق وقسوة الملوك. انساب من حولهما هواء بارد محمل برائحة زهور يابسة، كأن حضورها يطفئ الدفء من الغرفة. لكن قبل أن يكملوا حديثهم، دخل أحد الحراس مسرعًا. قال: "سيدي... لقد حان الوقت." نظر واروين إليه ثم قال: "خذوه إلى المكان الذي أخبرتكم عنه." صرخ ساري بغضب وخوف: "اتركوني! ابتعدوا عني! ماذا تريدون مني؟!" أجابه واروين بهدوء: "لا تخف... سنأخذك إلى مكان سيمنحك الإجابات." اقترب الحراس منه، وقيدوه من جديد. حاول المقاومة، لكن القيود الملكية على معصمه أضعفت حركته. سحبوه عبر ممر طويل وضيق، تفوح منه رائحة الرطوبة والحديد القديم. كل خطوة كانت تزيد نبضات قلبه. كانت خطى الحراس الثقيلة تحدث رنيناً مكتوماً يرتطم بالجدران المبتلة. تساقطت قطرات الماء من السقف الحجري لتقع على كتفيه كالإبر المتجمدة. كلما ابتعدوا عن القاعة، كان الضوء يتضاءل حتى استحالت المشاعل إلى شعلات رمادية ناعسة. شعر "ساري" بأن القيود على معصمه تبث حرارة حارقة تناقض برودة المكان، كأن الوشم الملكي كان يحاول تحذيره، أو شاكياً من المصير المحتوم الذي ينتظره في الأسفل. حتى توقفوا أمام باب حجري ضخم، منقوش برموز زرقاء غريبة. فتح الباب ببطء. ظهر خلفه درج طويل ينحدر إلى باطن الأرض. قال واروين بصوت هادئ: "انزلوه إلى غرفة الذاكرة... هناك سيعرف من يكون... أو سيضيع فيما كان." دفعوه إلى الداخل. أُغلق الباب خلفه. وجد نفسه داخل قاعة دائرية ضخمة. جدرانها من حجر أسود مصقول كالمرآة. وفي منتصفها حوض واسع مليء بماء أسود ساكن. لم يكن الماء الأسود مجرد سائل عادي؛ بل كان يبدو ككتلة من الهيولى الحية، تتحرك بداخلها موجات دقيقة دون أن تلمسها الرياح. انعكس ضوء الرموز الزرقاء على السطح الداكن كأنها نجوم محتضرة في سماء ليل أزلي. ينبعث من الحوض صمت خانيق، صمت يتلوه صوت فحيح خافت يشبه تساقط الرمال في ساعة زجاجية عملاقة. شعر ساري بجاذبية غريبة تسحبه نحو المركز، كأن الحوض يناديه باسمه الحقيقي الذي لا يعلمه. تقدم خطوة. فإذا بهمسات تأتيه من كل جانب: "إن أردت الحقيقة... فاغمس يدك... وسترى." تردد للحظة. ثم مد يده نحو الماء. وما إن لامست أصابعه سطحه حتى اجتاحه برد قارس انشق الظلام أمام عينيه. فرأى ذكرى جديدة. رأى والده سيزار راكعًا. ورأى واروين يقف بجانبه. وعلى وجه كل منهما قرار سيغير مصير المملكة إلى الأبد. ارتجف ساري وهمس لنفسه: "إذًا... هذه هي الحقيقة التي أخفيت عني." ساد الصمت. لكن قبل أن تتضح بقية الرؤية، لمح شيئًا لم ينتبه إليه من قبل. في أقصى الذكرى... خلف الأشجار البعيدة... كان هناك ظل طويل يقف ويراقب كل شيء. ظل ساكن لا يتحرك. ضيق "ساري" عينيه محاولًا تمييز ملامحه. لكن الصورة بدأت تتشوش. وفجأة... التفت الظل نحوه مباشرة. تجمد الدم في عروقه. كل ما استطاع رؤيته كان عينين حمراوين متوهجتين. العينان نفسيهما اللتان رآهما منذ بداية رحلته. وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما... تحطمت الذكرى كزجاج هش. وتلاشى المشهد كله. شهق "ساري" بقوة وسحب يده من الماء وكأنه انتزعها من أفكار أفعى سامة. ارتد إلى الخلف وسقط على الأرضية الحجرية الباردة، وصدقُه ينبض بألم حاد. كانت عينا الكائن ذي العينين الحمراوين لا تزالان مطبوعتين في قرنية عينيه، تخترقان ظلام القاعة الدائرية. انقلب الحوض الأسود من حوله إلى ما يشبه البركان الساكن، وبدأت الهمسات تتصاعد وتتداخل، متحولة إلى صراخ مكتوم يتردد في أذنيه، بينما حاصره الشعور بأنه لم يعُد الشخص نفسه الذي دخل هذه القاعة قبل دقائق. ثم جاءه صوت "واروين" من خلف الباب الحجري: "الآن عرفت... فأخبرني يا ساري... أتكون معنا... أم علينا؟"