القسم الثاني_ لعنة المقبرة
تراجع إلياس مذعورًا وهو يرى الهياكل العظمية تقترب منه ببطء. كانت عيونها المتوهجة تراقبه كأنها تعرفه منذ زمن بعيد. وفجأة… سمع صوتًا خافتًا خلفه يقول: "لا تخف… أنت لست أول من يصل إلى هنا." التفت بسرعة، فرأى ظل فتاة يقف بين الضباب. ملامحها باهتة، لكن عينيها تنظران إليه بجدية. كان الضباب يسري من حولها كدخان صلب لا يتبدد، يتلوى حول قدميها كأنه أثواب سوداء ممزقة. لم تكن الفتاة تطأ الأرض كما يطأ الأحياء التراب، بل كانت تبدو كأنها تطفو على مسافة لا تُذكر من السطح الحجري المقفر. وجهها كان يحمل شحوباً يشبه ثلجاً قدامى امتص كل ضوء الشمس، لكن نبرات الصوت النابعة منها كان لها ثقل حقيقي يزاحم طنين الرعب في رأس إلياس. تفحص ثيابها المهترئة التي يبدو أن الزمان أكل أطرافها، وشعر بشيء من الحسرة الشديدة ينبعث من هيئتها، كأنها تمثال صُنع من الشوق والخيبة في آنٍ واحد. قالت بصوتٍ حزين: "إن أردت النجاة… عليك أن تعود إلى المنزل مرة أخرى… فهناك فقط يبدأ طريق الخروج." حاول إلياس التمعن في ملامحها… هل هي بشرية؟ لكن الخوف لم يسعفه على التفكير. تابعت الفتاة بصوتٍ تغلفه الحسرة: "إنها اللعنة… لعنة قديمة ربطت المنزل بهذا العالم. كل من يأتي إلى هنا… يصبح أكبر حلم لديه أن لا يموت بأبشع الطرق." تنهدت ببطء، وكأن جبلًا يجثم فوق صدرها، ثم قالت: "عليك أن تخرج… وإلا ستصبح واحدًا منا. وحينها ستخسر فرصتك في الحياة." ارتجف صوت إلياس وهو يسأل: "لكن… من أنت؟ وما هذا المكان؟ أنا لا أعرف حتى كيف وصلت إلى هنا! كل ما أردته هو اكتشاف ذلك المنزل المهجور… وفجأة وجدت وحشًا مرعبًا يسكنه!" لم يكد ينهي كلامه حتى وضع يديه على رأسه متألمًا، وكأن صداع العالم كله استقر داخل جمجمته. ظلت الفتاة تحدق فيه بحزنٍ عميق… كأنها تعلم ما سيحدث. فهو لم يكن الأول… ولن يكون الأخير. بعد لحظات قالت بصوتٍ خافت مشبع باليأس: "اتبعني." ثم بدأت تشق طريقها داخل الظلام. نهض إلياس متثاقلًا، ويده لا تزال على رأسه، وتبعها دون أن يعرف إلى أين. كان يشعر أن خلاصه الوحيد قد يكون معها… مهربه الوحيد من عالم الموتى. كانت الخطوات في ذلك العالم الموازي تشبه السير في قاع أوقيانوس جاف. كلما تقدم خطوة، أحسّ أن الجاذبية تزداد ثقلاً، وأن الهواء من حوله يتحول إلى كتلة خانقة تصعّب حركة الرئتين. الهياكل العظمية التي تركاها خلفهما لم تكن تلاحقهما بالجسد، بل كانت أطياف عيونها المتوهجة تتبعهما كأنها خطوط ضوئية غير مرئية تخترق ظهره. الأرض الحصوية تحت حذائه كانت تصدر أصوات تكسّر أشبه بتكسر عظام رقيقة، وكانت الممرات الضيقة تتلوى وتتغير مع كل بضع خطوات، وكأن المكان يرسم متاهته الخاصة لمنع أي غريب من العثور على طريق العودة. بعد دقائق من السير، وجد نفسه أمام مقبرة قديمة متهالكة. كان الهواء فيها ثقيلًا بثقل السنين، ومشبعًا برائحة لم يعرفها… ولن يعرفها أي إنسان حي. مدت الفتاة يدها وفتحت الباب الحديدي للمقبرة، صدر صريرٌ حاد هز أركان المكان، فحلقت الغربان التي كانت متجمعة فوق القبور. دخلا إلى الداخل ببطء، بينما كان إلياس ينظر حوله بدهشة وخوف إلى القبور المنتشرة في كل مكان. استمرا في السير حتى توقفت الفتاة أمام قبر مختلف عن البقية. كان قبرًا جميلًا… نظيفًا… كأنه لا ينتمي إلى هذا المكان وكأن شخصًا ما يعتني به على أمل أن يستيقظ صاحبه في أي لحظة. على شاهد القبر كان اسم واحد محفور: "فيديل" كان الحفر على الحجر الأسود الدامس عميقاً ومتقناً، وكأن يد خراط محترف أمضت دهوراً في صقله. الحروف التي شكلت اسم "فيديل" كانت تنبض بضوء خافت أرجواني كأنه عرق دمي متيبس. الرخام المغطي للقبر لم يمسه غبار السنين ولا الرماد الذي يغطي باقي المكان، بل كان ينبعث منه دفء غريب يناقض برودة الجو القارسة. لمس إلياس بأطراف أصابعه الوجلة جانب الشاهد، فشعر براعشة تسري في كفه، وكأن القبر نفسه يتنفس ببطء تحت السطح الحجري، يضم بين جوانحه جثة ترفض أن تتحلل، تنتظر حقيقة صدمته. وقفت الفتاة لحظات تحدق في القبر، ثم استدارت ببطء. عيناها كانتا جاحظتين… خاليتين من الحياة. قالت بصوتٍ هادئ: "دعني أعرفك بنفسي… أنا فيديل." ساد صمت ثقيل... لم يسمع إلياس سوى نبضات قلبه المتسارعة. تابعت فيديل كلامها: "أتعرف يا إلياس… لقد جئت إلى هنا هاربة بحياتي. لكن الموت كان أسرع مني… وكأن الحياة رفضت أن تمنحني فرصة أخرى." ارتجف إلياس وهمس بصوتٍ خافت: "هل… سأصبح مثلك؟ هل سأموت هنا؟ هل سينتهي كل شيء؟" بدأت قدماه ترتجفان من بردٍ غريب… ليس برد الطقس، بل برد الروح وهي تغادر الجسد. قالت فيديل بسرعة: "سأساعدك على العودة… لكن الوقت يداهمنا. يجب أن تعود قبل أن تفارق روحك جسدك… وإلا ستبقى هنا معي إلى الأبد." نظر إليها بعينين مليئتين بالرجاء: "ماذا علينا أن نفعل؟" أجابت بصوتٍ جاد: "يجب أن نكسر اللعنة القديمة للمقبرة." ارتجف صوته أكثر وهو يسأل: "أي لعنة؟" قالت: "إنها لعنة السحر الأسود… المحفوظة في قلادة أول هيكل عظمي وُجد في هذه المقبرة." ابتلع إلياس ريقه بصعوبة: "وكيف سنكسر هذه اللعنة؟" تنهدت فيديل ببطء وقالت: "لا تُكسر اللعنة… إلا بالدماء… والتضحية." اتسعت عينا إلياس خوفًا: "أي نوع من التضحية؟" لكن قبل أن تجيبه… سمعا وقع أقدام ثقيلة تقترب منهما. خرج من بين الظلال كائن طويل القامة، يحمل قلادة سوداء تتوهج بطاقة غريبة. كانت عيناه المتوهجتان كافيتين لتزرعا الرعب في قلب كل من يراه. لم يكن الظل يتحرك حركتنا البشرية، بل كان ينشق كستار أسود ثقيل ليفسح المجال لذلك الجسد المفرط الطول. كانت ملابسه عبارة عن أسمال مظلمة تتداخل مع ظلال المكان، وكان وجهه متوارياً تحت غطاء رأس عميق لا يظهر منه سوى بريق عينين كجمام الكبريت المشتعل. أما القلادة المعلقة على صدره، فكانت عبارة عن حجر أسود صلب محاط بحلقات حديدية متصدئة؛ الحجر لم يكن يعكس الضوء بل كان يمتصه، وينبعث من داخله نبض شبيه بنبض قلب ثانٍ يحرك الدماء في ذلك العالم الميت. كان لحضوره هيمنة ثقيلة جعلت الهواء من حولهما يتجمد، واستشعر إلياس أن الكائن لا يتحدث بشفاه، بل يلقي كلماته رأساً في تجاويف العقل. نظر إليهما طويلًا… ثم قال بصوتٍ بارد: "لكسر اللعنة… يجب أن تضحي بعينيك." شعر إلياس وكأن الأرض انهارت تحته: "ماذا؟! هل جننت؟!" لكن حامل القلادة لم يتأثر بصراخه، قال بهدوء: "لديك مهلة… إلى الغد." تجمد إلياس وسأل بقلق: "وإلا ماذا؟" أجاب الرجل بلا تردد: "وإلا ستبقى عالقًا هنا… إلى الأبد." ساد الصمت للحظة. نظر إلياس إلى فيديل، وكأنه يبحث عن أمل مختلف. سأل بصوتٍ خافت: "هل… سأبقى أعمى طوال حياتي؟" تنهد حامل القلادة قليلًا قبل أن يجيب: "هذه هي قواعد المقبرة." ثم قال ببرود: "إما أن تبقى هنا… أو تعود إلى الحياة… بدون عينين." مرت الساعات ببطءٍ قاتل. ظل إلياس يفكر طوال الوقت… يقلب الاحتمالات في رأسه مرة بعد أخرى. لكن لم يكن هناك مخرج. كل دقيقة مرت في ذلك الظلام كانت تعادل دهراً من العذاب النفسي. جلس إلياس على الحجارة الباردة متوقعاً أن يسمع صوت ساعته أو أن يرى تغير في الإضاءة يدل على اقتراب الفجر، لكن الوقت في المقبرة كان مفهوماً مشلولاً. تخيل حياته القادمة دون عينين: كيف سيمشي في الطرقات التي يعرفها؟ كيف سيرى وجوه من يحب؟ كيف سينظر إلى كتاباته أو يرى ضوء الشمس مجدداً؟ كانت فكرة أن يعيش أعمى للأبد ترعبه حتى النخاع، لكن الفكرة المقابلة - أن يتحول إلى هيكل عظمي يتحرك بلا روح، أو ظل محبوس في جدران المقبرة إلى الأبد - كانت أشد إيلاماً وبشاعة. كانت فيديل تقف على مسافة منه، صامتة كشاهد قبر آخر، تراقبه بنظرات تجمع بين الشفقة العميقة والمعرفة المسبقة بأن المحتجز لا يملك رفاهية الاختيار. في النهاية… لم يجد خيارًا سوى التضحية بعينيه. وعندما حلّ الوقت، اتجه بخطواتٍ مترددة نحو المكان الذي كان يقف فيه حامل القلادة، لكن عندما وصل… توقف فجأة. المكان كان فارغًا. لم يكن هناك أحد. لقد اختفى حامل القلادة… وكأن الأرض ابتلعته. ساد المكان صمت أشد ثقلاً من صمت المقابر الطبيعية. لم يكن هناك أثر لأقدام، ولا حتى بقايا الطاقة الغريبة التي كانت تنبعث من القلادة السوداء. وقف إلياس متخشبًا في منتصف الفناء، يداه المرتجفتان ممدودتان إلى الفراغ حيث كان يفترض أن يسلّم أثمن ما يملك لقاء حريته. التفت نحو فيديل بذهول واضطراب، فرأى وجهها وقد تلفت عليه ظلال جديدة من الذعر لم تكن موجودة من قبل. لم يكن اختفاء حارس القلادة إشارة خلاص، بل كان إيذاناً بأن اللعنة غيرت قواعد لعبتها الشيطانية، وأن الثمن المطلق قد لا يكون مجرد عينين، بل شيء أكبر لم يستوعبه عقله بعد.