شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 14: الفصل الرابع_ التداخل

الفصل الرابع_ التداخل

القسم الأول_ أصوات ليست لي________________________________

كانت مارسيليا في ذلك الصباح تبدو كمدينة قررت أن ترتدي أجمل ما لديها، من دون أن تتخلى عن فوضاها القديمة. امتدت السماء صافية فوق الميناء، بلون أزرق واسع لا تقطعه إلا أسراب النوارس التي دارت فوق القوارب، تصرخ وتتقافز بحثًا عن بقايا الأسماك. كان الهواء محملًا برائحة الملح والطحالب والقهوة المحمصة. تمتزج فيه أصوات سائقي الحافلات مع مناداة الباعة وضحكات السياح، فيما كانت الأعلام تتدلى من الشرفات وتنتشر فوق واجهات المحلات استعدادًا للاحتفال الوطني المقرر يوم الاثنين. سارت مها إلى جوار كلير بين المارة، تحمل كوب قهوة ورقيًا بيد، وهاتفها باليد الأخرى. لم تكن تنظر إلى الطريق بقدر ما كانت تنظر إلى الصورة التي فتحتها على الشاشة مرارًا خلال الدقائق العشر الماضية. كانت الصورة رديئة، مأخوذة من تسجيل قديم لكاميرا مراقبة. شارع مظلم، مطر كثيف، امرأة بثوب مبلل بالكاد تظهر ملامحها وسط التشويش. لم يكن يفترض بالصورة أن تعني شيئًا، لكنها كانت تثير في مها إحساسًا لا تستطيع التخلص منه. توقفت فجأة أمام واجهة متجر مغلق. نظرت إلى الصورة، ثم إلى انعكاس وجهها فوق الزجاج. قالت: "إنها المرأة نفسها." كانت كلير تلعق طرف المثلجات التي اشترتها قبل دقائق، فالتفتت إليها بلا استعجال: "أي امرأة؟" رفعت مها الهاتف أمامها: "التي أخبرتك عنها. المرأة التي رأيتها في الحلم." تأملت كلير الصورة، ثم قطبت حاجبيها: "لا أرى وجهًا أصلًا. أرى بقعة سوداء تحت المطر." سحبت مها الهاتف نحوها: "لكنني أعرفها." قالت كلير وهي تتابع السير: "يجب عليك أن تتوقفي عن مشاهدة أفلام الشرطة والتحقيقات قبل النوم. سيبدأ عقلك بربط كل وجه بكل جريمة لم تقع." لحقت بها مها، وظلت تحدق في الصورة: "لا أمزح. أعرف أنني رأيتها من قبل، لكنني لا أتذكر أين." ابتسمت كلير بمكر: "ربما تعرفينها من ماضيك الإجرامي." نظرت إليها مها باعتراض: "لم أكن مجرمة." _ "صحيح. كنت ناشطة." _ "ناشطة قرصنة." ضحكت كلير: "وهو الاسم المهذب للجريمة الإلكترونية عندما يحب المجرم نفسه." رفعت مها حاجبها: "كنت أبحث عن الحقيقة." _ "وتمرّين في أثناء ذلك عبر أنظمة لا تخصك، وتبدلين الهويات، وتزوّرين بعض الملفات الصغيرة." _ "لم تكن صغيرة." _ "أعرف." مالت كلير نحوها قليلًا وأضافت: "وقد مررتِ بمراحل الإصلاح والمراقبة، وأصبح وضعك قانونيًا، بحسب الرواية الرسمية." هزت مها رأسها وهي تكتم ابتسامة: "تبدين كأنك تحفظين ملفي." _ "لا أحتاج إلى ملف. كنت آتي لزيارتك وأنت ممنوعة من استخدام الإنترنت." _ "تلك كانت مبالغة من المحكمة." _ "وماذا عن شركات الأمن التي تدفع لك لاختراق أنظمة لصالحها؟" رفعت مها كوب القهوة إلى شفتيها: "لا تُعتبر قرصنة إذا حصلت على الأجر." _ "هذه جملة ممتازة لتُكتَب فوق باب سجن." ضحكتا معًا، لكن ضحكة مها اختفت سريعًا. عادت إلى الصورة، ومررت إصبعها فوق الوجه المشوش. قالت بصوت أخفض: "على أي حال، كنت أفكر في عرض الصورة على بعض الأشخاص الذين عرفتهم قديمًا. ربما يستطيع أحدهم تحسينها أو معرفة مصدر التسجيل." توقفت كلير هذه المرة، ونظرت إليها بجدية: "هل تعلمين أصلًا إن كان التسجيل حقيقيًا؟" لم تجب مها فورًا. مرّت بجوارهما عائلة صغيرة تحمل الأعلام، يركض طفل أمام والديه وهو يطلق صفارة بلاستيكية. تابعت مها الطفل بعينيها حتى ابتعد، ثم قالت: _ "هذا هو الأمر. أعرف أنه حقيقي، مع أنني لا أملك دليلًا. أشعر أنني لم أرَ تلك المرأة مرة واحدة فقط. أشعر كأنني كنت معها." صمتت قليلًا قبل أن تضيف: "وكأنني عشت حيوات متعددة، لا حياة واحدة." راقبتها كلير لعدة ثوانٍ. لم تسخر هذه المرة، بل بدت كأنها تبحث عن المزحة المناسبة ولا تجدها. ثم قالت: "وأنا أيضًا عشت مراحل متعددة. ومع ذلك ما زلت أعمل في المكتبة نفسها التي التقينا فيها." ابتسمت مها: "أنتِ تحبين المكتبة." _ "وأنت تحبين المخاطر، ولهذا لا يحق لك انتقاد اختياراتي." تابعتا سيرهما نحو المتنزه المطل على الميناء، حيث بدأ العمال بتثبيت المنصات وإغلاق بعض الطرق استعدادًا للاحتفال. كانت الألوان تزداد حولهما، والأغاني الوطنية تنبعث من مكبرات الصوت التي جرى اختبارها، فيما ارتفعت روائح اللحم المشوي والحلوى الساخنة من العربات الصغيرة. قالت كلير: "يوم الاثنين هو يوم الاستقلال، والمدينة كلها ستخرج إلى الشوارع. لماذا لا تتحدثين عن هذا في مدونتك؟" نظرت إليها مها باستغراب: "عن المرأة التي أراها في أحلامي؟" _ "عن كل شيء. عن الخوف، والهوية، والحياة التي نظهرها للناس والحياة التي نعيشها سرًا." ابتسمت كلير وهي ترفع مثلجاتها: "إن قالوا إنك مجنونة، فذلك لن يكون أسوأ تعليق وصل إلى قناتك." قالت مها: "هل ترين أنني مجنونة؟" أخذت كلير خطوة إلى الخلف، وكأنها تريد رؤيتها كاملة، ثم قالت ببساطة: "كلنا مجانين في هذا العالم. بعضنا فقط يملك كاميرا ومتابعين." ضحكت مها، لكن في داخلها ظل وجه المرأة عالقًا، كصورة لا يستطيع العقل حذفها. في الموصل، كان الصبي الذي أنقذته ميرين مستلقيًا فوق سرير ضيق داخل غرفة صغيرة في المستوصف. أضاءت الشمس النافذة نصف المفتوحة، ودخلت معها أصوات العربات والباعة من الشارع القريب. كانت رائحة المطهر الطبي ثقيلة، تختلط برائحة الغبار الدافئ والأغطية القديمة. جلس الصبي مسندًا ظهره إلى الوسادة، وقد لُفّ بطنه بضماد أبيض عريض، بينما ظلت ميرين على الكرسي القريب منه، شاردة منذ دقائق طويلة. راقبها الصبي بعينين حذرتين، ثم قال: "ما الأمر؟" رفعت رأسها إليه: "ماذا تقصد؟" _ "أراكِ سارحة وصامتة." نظر نحو الباب وأضاف بوجه جاد لا يناسب سنه: "جلوسك بقربي يجلب سمعة سيئة لي." لم تستطع منع ابتسامة قصيرة. قالت: "وجلوسي معك يجلب لي السمعة السيئة أيضًا." تحرك الصبي بحذر فوق السرير، متجنبًا الضغط على جرحه: "إذن لماذا أنتِ هنا؟" نظرت ميرين إلى الضماد، ثم إلى وجهه: "كنت أفكر في كلامك الذي قلته لي في السيارة." تصلبت ملامحه قليلًا: "أي كلام؟" _ "عن الرجل الذي أطلق النار على أبيك." أدار وجهه نحو النافذة: "نعم. منذ زمن." انتظرت أن يكمل، لكنه لم يفعل. قالت: "ولم يتغير شيء؟" هز كتفه: "ما الذي سيتغير؟ ما زال الرجل حرًا، وأبي مات." بقيت ميرين تنظر إليه، ثم قالت بعد تردد: "أبي أيضًا أُطلق عليه الرصاص." عاد الصبي ينظر إليها: "مات؟" توقفت قبل أن تجيب. تذكرت والدها جالسًا قرب النافذة، الجسد الذي أصبح أضعف، والعينين اللتين تخفيان أكثر مما تقولان. قالت: "لا. لكنه خسر أجزاء منه." لم يفهم الصبي ما إذا كانت تقصد جسده أم روحه، وربما لم تكن هي تعرف أيضًا. خفض عينيه وقال: "حين نطلق النار على الشرطة ينتشر الخبر في التلفاز والجرائد، ويقولون إننا وحوش. لكن حين يطلقون النار علينا، لا يعرف أحد أسماءنا." لم تجد ميرين ردًا. كانت تعرف أن العالم ليس بسيطًا كما يتخيله من يشاهد الأحداث من الخارج. كانت تعرف كذلك أن الصبي ليس بريئًا تمامًا، وأنه عمل مع رجال خطرين، وربما حمل لهم الرسائل والسلاح. لكنه ظل في النهاية طفلًا أُصيب بطلق ناري وتركه الجميع ينزف. نهضت عن الكرسي: "يجب أن أذهب." قال الصبي قبل أن تصل إلى الباب: "اسمعي." التفتت إليه. لم ينظر إليها مباشرة، بل ظل يعبث بطرف الغطاء. قال: "أنا لست مدينًا لك بشيء." انتظرت بصمت. ثم رفع عينيه وأضاف: "لكنني لن أنسى ما فعلتِه لي." تردد، كأن الكلمة ثقيلة على لسانه: "لذا شكرًا لكِ." أومأت ميرين ببطء، ثم خرجت من الغرفة. في الممر، توقفت لحظة وأسندت ظهرها إلى الجدار. لم تعرف لماذا شعرت فجأة بأن الكلمات لم تصدر من الصبي وحده، بل من شخص آخر بعيد يحاول أن يشكرها أو يودعها. وقبل أن تفهم الإحساس، اختفى. في مارسيليا، عادت مها إلى شقتها مع غروب الشمس. وضعت حقيبتها فوق الأريكة، وأغلقت الستائر جزئيًا، ثم شغّلت المصابيح الصغيرة الموزعة حول مكتب التسجيل. تحولت الغرفة خلال دقائق إلى الاستوديو الذي يعرفه متابعوها؛ خلفية داكنة، رفوف كتب، صورة قديمة للميناء، وميكروفون أسود يتوسط الطاولة. فتحت الحاسوب. ظهرت صورتها فوق الشاشة، وبجانبها عداد المشاهدين المنتظرين لبدء البث. ظلت للحظة تراقب انعكاس وجهها في العدسة. فكرت في كلام كلير، وفي المرأة تحت المطر، وفي السنوات التي أمضتها وهي تهرب من كل تعريف يضعه الآخرون لها. ثم ضغطت زر البث. اشتعل الضوء الأحمر. ابتسمت ابتسامة صغيرة، لا تشبه الابتسامة التي تستخدمها عادة في التقارير السياسية. قالت: "مساء الخير." بدأت التعليقات تتدفق. استنشقت ببطء، ثم تابعت: "كنت أفكر مؤخرًا في حياتي، وفي الأخطاء التي ارتكبتها، وفي الأخطاء التي اعتقدت لسنوات أنني تخلصت منها، ثم اكتشفت أنها ما زالت تعيش معي." في اللاذقية، جلست ريناد على حافة سريرها، تحمل هاتفها بين يديها. كانت غرفتها هادئة، لا يصلها من البيت إلا صوت والدتها وهي تتحدث في الصالة عن قوائم المدعوين، وصوت أختها تقترح ألوانًا للزينة. فوق المكتب وُضعت صورة لفادي إلى جوار علبة صغيرة تضم خاتمًا لم ترتده بعد. كان يفترض بها أن تشعر بالفرح. ذلك ما يقوله الجميع. شاب طبيب، محترم، وسيم، يحبها، وعائلة تضمن لها مستقبلًا آمنًا. كل الأسباب كانت موجودة، باستثناء السبب الوحيد الذي أرادته هي. الحب. وصل إليها صوت مها من الهاتف، مع أنها لم تتذكر متى فتحت البث أو كيف عثرت على القناة: "...الأخطاء التي بقيت معي، والأخطاء التي أندم عليها، والأخطاء التي ارتكبتها بدافع الخوف." وضعت ريناد يدها فوق علبة الخاتم. شعرت بأن مها لا تتحدث إلى جمهور مجهول، بل إليها وحدها. وفي جيجو، جلست نون على مقعد حجري قرب نافورة واسعة في حديقة الشركة. كانت المياه ترتفع ثم تهبط بإيقاع منتظم، فيما جلس الموظفون حولها يتناولون طعامهم ويتحدثون عن العمل. وضعت نون ملفًا أحمر فوق ركبتيها، وثبتت يديها عليه كأنها تخشى أن يهرب منها. داخل الملف كانت هناك الأرقام. التواريخ. التحويلات المشبوهة. والدليل الذي يستطيع تدمير والدها وأخيها والشركة كلها. فتحت الصفحة الأولى، ثم أغلقتها. سمعت صوت مها رغم عدم وجود هاتف أو سماعة قربها: "...كنت خائفة من اتخاذ القرار الخطأ، لذلك بقيت واقفة في مكاني حتى صار الصمت نفسه خطأ." قبضت نون على الملف بقوة. التفتت حولها، لكن أحدًا لم يكن يسمع شيئًا. داخل غرفة التبرج في الخرطوم، جلست وهج أمام المرآة بينما كانت خبيرة المكياج تزيل عن وجهها طبقات شخصية أخرى. انطفأت معظم مصابيح الاستوديو، وبقيت دوائر الضوء حول المرآة تكشف التعب تحت عينيها. كان معتصم يتحدث في الخارج مع المخرج، لكن صوته بدا بعيدًا. أما صوت مها فكان واضحًا، يأتي من مكان لا تستطيع تحديده. قالت مها: "كنت خائفة من أن أتصرف على طبيعتي لفترة طويلة. لأن الناس الذين أحببتهم علموني، من دون أن يقصدوا ربما، أن هناك شيئًا ناقصًا في أمثالي. شيئًا غريبًا، أو منفرًا، أو شيئًا ينبغي إخفاؤه حتى لا يبتعد الآخرون." توقفت يد خبيرة المكياج فوق وجه وهج: "هل قلتِ شيئًا؟" هزت وهج رأسها. نظرت إلى انعكاسها. لم ترَ النجمة المشهورة التي يعرفها الجمهور، بل امرأة تخفي الرجل الذي تحبه، وتعيش في بيتين وحياتين واسمين. تابع صوت مها: "ربما ينظرون إلينا بالشفقة، وربما يظنون أن هناك أشخاصًا لا يمكن أن يحبهم أحد كما هم." رفعت وهج يدها ولمست انعكاس وجهها فوق المرآة. في شوارع الأناضول، كانت آيلين تمشي بلا وجهة محددة. منذ أن رأت ميرين في ذلك الشارع الغريب، والحدث الذي رأته قبل ان تختفي من ميرين. لم تعد قادرة على التمييز بين ما حدث فعلًا وما سببته المادة التي أعطاها لها إمري. كانت ترتدي معطفها مغلقًا حتى العنق، وتضم ذراعيها حول جسدها رغم دفء الجو. مرّت بجوار حافلة ممتلئة، وواجهات متاجر مضاءة، ومقاهٍ تعج بالطلاب. كل شيء طبيعي، لكن داخل رأسها كانت تسمع صوت امرأة لا تعرفها. مها. _ "أمي من محبي القديس توما الأكويني. كانت تقول إن الكبرياء رأس الخطايا، وإنه يجعل الإنسان يرى نفسه فوق الحقيقة وفوق الآخرين." توقفت آيلين عند إشارة المرور. لم تكن تعرف من هي المتحدثة، لكنها شعرت أنها تفهمها. فهمت الخوف من خيبة أمل الأم، والخوف من أن تكون الحياة التي اختارتها أقل قيمة من الحياة التي خُططت لها. تابع الصوت: "لكنني تساءلت طويلًا: لماذا نجد أسماء للكبرياء والطمع والغضب، ولا نجد اسمًا واضحًا للكراهية التي نمارسها على أنفسنا؟ لماذا لا نعد العار خطيئة، مع أنه يقتل الإنسان ببطء؟" أضاءت الإشارة الخضراء، لكن آيلين لم تتحرك حتى اصطدم بها أحد المارة بخفة واعتذر. في برلين، امتلأ البار بالدخان والضحك والموسيقى الصاخبة. كان جوليان جالسًا إلى طاولة دائرية مع سليم ورجلين آخرين، وأمامهم زجاجات مفتوحة وكؤوس تفرغ ثم تمتلئ. وضع جوليان علبة صغيرة فوق الطاولة وفتحها لحظة ليريهم عددًا من قطع الألماس التي التقطت ضوء المصابيح ثم أغلقها بسرعة. ضحك جوليان، ورفع كأسه نحو سليم: "إلى أعظم فاتح خزائن في العالم!" ضحك الآخرون ورددوا العبارة. رفع سليم كأسه وابتسم لصديقه، لكنه لم يسمع صوت ضحكاتهم كاملًا. كان صوت مها ينساب عبر الضجيج بوضوح. _ "الخوف لا يجعلنا دائمًا نهرب. أحيانًا يجعلنا نضحك في الأماكن الخطأ، أو نوافق حين نريد الرفض، أو نصمت عندما تكون الحقيقة على طرف ألسنتنا." توقفت ابتسامة سليم قليلًا. فكر في والده الذي لم يتحدث عنه، وفي والد جوليان، وفي الخزنة، وفي المرأة التي ماتت تحت المطر. شرب، محاولًا إغراق الصوت. لكنه لم يختفِ. كانت ميرين قد عادت إلى المنزل متأخرة. دخلت غرفة والدها بهدوء، فوجدته نائمًا فوق المقعد قرب النافذة، وقد انزلق اللحاف عن كتفيه. اقتربت منه، ورفعته برفق حتى غطى صدره. في ضوء المصباح الخافت، بدا وجه محمد الحصيري أصغر سنًا للحظة، كما لو أن المرض أعاد إليه هشاشة الطفل بعد أن أمضى عمرًا يتظاهر بالقوة. جاءها صوت مها: "كنت أخشى قول ما أريده فعلًا. أخشى الاعتراف بما أنا عليه، وأخشى أن أفرح بشيء يراه غيري عيبًا أو خيانة لما ينتظرونه مني." نظرت ميرين إلى والدها. كانت تخشى أن تسأله عن الماضي، وتخشى أكثر أن تعرف الجواب. ماذا لو كان بريئًا فعلًا؟ وماذا لو لم يكن؟ حرك الرجل رأسه في نومه. أمسكت ميرين يده لحظة، ثم تركتها. في أونتاريو، انتهت تقوى من آخر درس لذلك اليوم. كانت الثلوج قد توقفت، وبدأ ضوء خافت يتسلل من بين الغيوم. جمعت أوراقها، ومسحت السبورة، ثم ارتدت معطفها واستعدت لمغادرة الصف. عندما فتحت الباب، لم ترَ الممر. رأت متنزهًا واسعًا يغمره ضوء الصيف. مئات الأشخاص يسيرون بين الأعلام والبالونات، أطفال يركضون، موسيقى تعزف، وروائح الطعام والحلوى تملأ الهواء. كانت واقفة في مارسيليا، أو روحها كانت هناك على الأقل. تجمدت عند الباب. مرّت بجوارها امرأة تحمل علمًا ولم تلاحظ وجودها. حاولت تقوى العودة إلى الصف، لكن الباب اختفى من خلفها. سمعت صوت مها بوضوح: "لذلك قررت أن أشارك هذه المرة. لا لأن الخوف انتهى، بل لأنني تعبت من إعطائه الحق في اختيار حياتي." شعرت تقوى بدفء الشمس فوق وجهها، مع أنها كانت في كندا قبل لحظة. رفعت عينيها، فرأت مها بين الناس، تمسك كاميرتها وتبتسم. كانت قريبة إلى درجة أن تقوى استطاعت رؤية لمعة عينيها. لكن مها لم ترها بعد. حلّ يوم الاحتفال، وامتلأت شوارع مارسيليا بالبشر. ارتفعت الموسيقى من المنصات، وانتشرت الأعلام فوق المباني والحافلات، وأطلقت القوارب في الميناء أبواقها الطويلة. كان الأطفال يركضون بوجوه مرسومة، والشباب يلتقطون الصور، والعائلات تفترش العشب في المتنزهات وتفتح سلال الطعام. وقفت مها وسط كلير ومجموعة من الأصدقاء، تحمل كاميرا صغيرة مثبتة على عصا قصيرة. كان البث مباشرًا. قالت وهي تصور الوجوه والرقصات: "اليوم أشارك من أجل ذلك الجزء داخلي الذي عاش خائفًا إلى درجة منعته من الظهور." مرّت بينها وبين الحشود، وضحكت عندما وضعت كلير قبعة ملونة فوق رأسها بالقوة. تابعت: "وأشارك من أجل كل من لا يستطيعون الحضور. من يعيشون حياة تشبه حياتي القديمة، يراقبون من خلف النوافذ، ويتمنون لو كانوا أشجع." كانت كلماتها تصل إلى السبعة الآخرين لا كصوت فقط، بل كدفء في الصدر، وإحساس غامض بأنهم ليسوا وحدهم في خوفهم. ركبت مها دراجتها النارية بعد قليل، وثبتت الكاميرا في مقدمتها. جلست كلير خلفها، ولفت ذراعيها حول خصرها. قالت: "لا تقتلي صحفيتك المفضلة في يوم الاحتفال." أدارت مها المحرك: "أنت تعملين في مكتبة. واليوم أنا صحفية." ضحكت مها، وانطلقتا ببطء بين الشوارع المخصصة للاحتفال. كانت الكاميرا تصور كل شيء: الأعلام، الوجوه، فرق الموسيقى، والشرائط الملونة المتطايرة في الهواء. رفعت مها صوتها فوق ضجيج المحرك: "نحن لا نشارك لأن حياتنا مثالية، بل لأننا نستحق مكانًا في العالم رغم كل ما أخطأنا فيه، ورغم كل ما نخافه." ثم رأته. كان واقفًا على الجهة الأخرى من الشارع. رجل ذو شعر أسود شبه طويل ولحية داكنة، بملامح فارسية واضحة، يرتدي معطفًا خفيفًا لا يناسب حرارة اليوم. لم يكن ينظر إلى الاحتفال، ولا إلى الناس، ولا إلى الكاميرا. كان ينظر إليها هي. تباطأت الدراجة. اختفت أصوات المدينة تدريجيًا، كما لو أن أحدهم أغلق العالم داخل صندوق زجاجي. لم تعد تسمع الموسيقى أو أبواق السيارات أو صوت كلير خلفها. بقيت عيناه فقط. عرفته. لم تره في حياتها، لكنها عرفته. كان الرجل الذي لم تستطع رؤيته كاملًا في مشهد موت وتين، الحضور الذي شعرت به قرب المرأة تحت المطر، والظل الذي اختفى كلما حاولت أن تركز عليه. حرّك شفتيه. لم تسمع الكلمة، لكنها فهمتها. مها. كيف عرف اسمها؟ أمسكت المقود بقوة. تقدم الرجل خطوة نحو الشارع، وعلى وجهه امتزاج غريب من الارتياح والحزن، كمن وجد شخصًا يبحث عنه منذ زمن، لكنه يعرف أن العثور عليه سيجلب الخطر. فجأة انفجر الألم داخل رأسها. لم يكن صداعًا هذه المرة، بل موجة اجتاحت عقلها كله. سمعت أصوات الثمانية دفعة واحدة؛ صرخة آيلين، أنفاس سليم، دعاء ريناد، صوت الماء قرب نون، همس تقوى، بكاء وهج، وصفارة سيارة الشرطة حول ميرين. ثم سمعت صوتًا تاسعًا. باردًا. بعيدًا: "وجدك." اهتزت الرؤية أمامها. حاولت الضغط على المكابح، لكن يدها فقدت قوتها. انحرفت الدراجة نحو الرصيف، وصرخت كلير باسمها. رأت مها آرام يركض نحوها. رأت وجه وتين خلفه للحظة، مبللًا بالمطر وسط يوم مشمس. ثم انطفأ كل شيء. سقطت الدراجة على جانبها، وانزلقت فوق الطريق مسافة قصيرة. تدحرجت مها بعيدًا عنها، واستقر جسدها بين شرائط ورقية ملونة كانت قد تناثرت فوق الإسفلت. ركض الناس نحوها. صرخت كلير وهي تزحف إليها: "مها! افتحي عينيكِ!" لكن مها لم تسمعها. كانت تغرق في ظلام عميق، وفي داخله ظهر صوت آرام واضحًا للمرة الأولى: "لا تخافي... لقد وعدتها أن أجدكم." وعلى الطرف الآخر من الشارع، وقف رجل يرتدي بدلة رمادية وسط الحشود. لم يتجه نحو الحادث. لم يساعد. اكتفى بمراقبة آرام وهو يركض إلى مها، ثم أخرج هاتفًا صغيرًا والتقط صورة واحدة. أرسلها إلى رقم بلا اسم، وكتب تحتها:

>>لقد عثر على الأولى.<<