لعبة الصفر0

الفصل 4: القسم الرابع_ الزاوية التي لا تُرى

القسم الرابع_ الزاوية التي لا تُرى

بقي آدم واقفًا أمام الشاشة للحظات طويلة بعد ظهور الرسالة، كأن جسده نسي كيف يتحرك، أو كأن الحركة نفسها أصبحت فعلًا محفوفًا بشيء لا يستطيع تفسيره. الكلمات البيضاء التي ظهرت على الخلفية السوداء لم تكن مجرد جملة عابرة، بل بدت كأنها خرجت من داخل أفكاره هو، كأن أحدًا ما لم يقرأ ما يفعله... بل قرأ الطريقة التي يفكر بها."أنت تنظر من المكان الخطأ." قرأها مرة أخرى ببطء، محاولًا أن ينتزع منها معنى ثابتًا، لكن المعنى كان يتغير في كل مرة، يتمدد، يصبح أعمق، وكأنه ليس موجهًا للتحقيق... بل له شخصيًا. مدّ يده نحو لوحة المفاتيح، ضغط عدة أزرار بسرعة، يحاول استعادة التسجيل، تتبع مصدر الاختراق، أي شيء ملموس يمكن الإمساك به، لكن الشاشة بقيت كما هي لثوانٍ طويلة، صامتة، لا تعرض سوى الجملة، وكأن النظام كله توقف عندها.ثم، فجأة... اختفت. عاد التسجيل. الرجل يظهر مجددًا في الشارع، يمشي بنفس الهدوء، بنفس الخطوات المنتظمة، وكأن شيئًا لم يحدث أصلًا.لكن آدم لم يعد يرى المشهد كما رآه سابقًا.هناك شيء انكسر داخله.أو ربما... انفتح. اقترب أكثر من الشاشة، حتى كاد انعكاس وجهه يختلط بالصورة، ثم أبطأ التسجيل مرة أخرى. هذه المرة لم يكن يبحث عن الرجل، ولا عن الظل، بل عن "زاوية النظر" نفسها، عن المكان الذي يجب أن ينظر منه ليفهم ما يُقال له.بدأ يراقب الضوء. تفصيلة صغيرة، تافهة ظاهريًا، لكن شيئًا فيها لم يكن طبيعيًا. عمود الإنارة في التسجيل كان يرسل ضوءه باتجاه محدد، منطقي، متناسق مع موقعه... لكن الظلال لم تكن تتحرك بناءً عليه. ظل الرجل كان في مكان.والشيء الموجود خلفه... كان في مكان آخر. كأن الضوء لا يؤثر عليه. شعر آدم بقشعريرة خفيفة تسللت ببطء إلى ذراعيه."أنت لا تقف داخل المشهد..." همس دون وعي. ثم صمت.الفكرة التالية جاءت وحدها، باردة وثقيلة: "...أنت تقف خارجه."في تلك اللحظة، أصبح كل شيء أكثر سوءًا، لأن المعنى بدأ يتشكل. إذا كان ذلك الشيء لا يخضع للضوء، فهذا يعني أنه لا ينتمي إلى نفس المساحة التي ينتمي إليها الرجل... أو ربما لا يُرى بالطريقة نفسها أصلًا. عاد إلى اللقطة، وأوقفها عند اللحظة التي يرفع فيها الرجل رأسه.الابتسامة.العينان.ذلك الثبات الغريب.وللمرة الأولى، أدرك شيئًا لم يلاحظه من قبل... الرجل لم يكن خائفًا. لا يوجد ارتباك، لا توتر، لا حتى دهشة. بل على العكس، بدا وكأنه يعرف تمامًا ما الذي سيحدث بعد ثوانٍ، وكأنه وصل إلى نهاية يعرفها مسبقًا."كنت تنتظر..." قالها آدم بصوت منخفض. جلس ببطء على الكرسي، بينما عقله يعيد ترتيب كل شيء من البداية. ماذا لو لم يكن الرجل ضحية بالمعنى المعتاد؟ ماذا لو كان يرى ما لا يراه الآخرون؟ ماذا لو كانت الابتسامة... ليست خوفًا، بل قبولًا؟ شعر بثقل في صدره، ليس بسبب الفكرة نفسها، بل بسبب ما تعنيه. إذا كان بعضهم يعرف... فكم واحدًا غيره عرف أيضًا؟فتح الملفات مجددًا، وبدأ يراجع صور الضحايا الآخرين، واحدًا تلو الآخر، لكن هذه المرة لم يكن ينظر إلى سبب الوفاة، بل إلى وجوههم. وفي كل صورة تقريبًا... كان هناك شيء واحد مشترك. الهدوء.ليس هدوء الموت، بل هدوء أشخاص وصلوا إلى لحظة فهم، حتى لو كانت قصيرة جدًا.توقف عند صورة امرأة في الأربعين تقريبًا، وُجدت ميتة داخل مصعد متوقف بين الطوابق. التقرير وصف الحالة كاختناق ناتج عن عطل كهربائي، لكن وجهها... لم يكن وجه شخص مذعور. كانت تبتسم.ابتسامة خفيفة جدًا، بالكاد تُلاحظ. شعر آدم بأن الهواء أصبح أثقل داخل الغرفة. "ماذا رأيتِ...؟" سأل الصورة دون أن يشعر.الصمت عاد مجددًا، لكنه لم يعد فارغًا كما كان. أصبح يحمل شيئًا آخر... حضورًا خفيًا، إحساسًا بأن الغرفة ليست مكانًا مغلقًا بالكامل، بل نقطة مراقبة، وأن هناك عينًا أخرى تنظر من الجانب المقابل. وقف فجأة واتجه نحو النافذة.المدينة في الخارج بدت طبيعية بشكل مزعج. السيارات تتحرك، الأضواء البعيدة تلمع، أشخاص يسيرون دون أن يدركوا شيئًا. الحياة مستمرة كما يجب... وهذا تحديدًا ما جعل الأمر مرعبًا. لأن كل شيء يمكن أن يحدث... دون أن يراه أحد. مرر يده على الزجاج البارد، ثم أغمض عينيه للحظة. وعندها... عاد الإحساس.ذلك الإحساس القريب جدًا، كأن هناك من يقف خلفه مباشرة، يراقب معه نفس المدينة، بنفس الهدوء. لكن هذه المرة... لم يشعر بالخوف فقط. بل شعر بشيء آخر. فضول. وهو ما أخافه أكثر من أي شيء. فتح عينيه ببطء، وحدق في انعكاسه على الزجاج، ثم قال بصوت بالكاد سُمِع:"ماذا تريد مني أن أرى...؟" لم تأتِ إجابة.لكن في تلك اللحظة تحديدًا، انطفأت جميع أضواء الشارع دفعة واحدة. غرق كل شيء في الظلام. ليس ظلامًا عاديًا، بل ذلك النوع الثقيل الذي يجعل المكان يبدو أوسع مما يجب، أعمق مما يجب، وكأن المدينة اختفت للحظة داخل شيء أكبر منها. ثم... بعد ثانيتين فقط... عادت الأضواء. لكن شيئًا كان مختلفًا. على الزجاج، خلف انعكاس آدم مباشرة... كان هناك شخص يقف. تجمّد جسده بالكامل. لم يلتفت فورًا. بقي يحدق في الانعكاس، يحاول أن يقنع نفسه أن ما يراه مجرد وهم بصري، ظل، انعكاس خاطئ.لكن الشكل كان واضحًا.طويل.ساكن.لا تظهر ملامحه.ولا يتحرك. وشيء واحد فقط فيه كان مرئيًا بوضوح... ابتسامة خافتة. شعر آدم بأن نبضه توقف للحظة. ثم استدار بسرعة. الغرفة كانت فارغة. لا أحد. عاد بنظره فورًا إلى الزجاج... لكن الانعكاس اختفى أيضًا. بقي وحده.أو هكذا... بدا له. وفي مكان آخر، بعيدًا عن الضوء، وعن المدينة، وعن كل ما يمكن تسميته "واقعًا"، كان هناك من يراقب تلك اللحظة بصمت كامل، كأنه ينتظر شيئًا محددًا منذ وقت طويل جدًا.ابتسم ببطء. ثم قال بصوت هادئ، خالٍ من أي انفعال: "الآن... بدأ يلتفت."