مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 14: القسم الثالث

القسم الثالث

حين تتنفس الأرض_______________________________________

لم يعد الإحساس بما تحت "أستاريا" مجرد حدسٍ أو نبوءة، بل أصبح شيئًا محسوسًا، كأن المدينة كلها تقف فوق صدر كائنٍ نائم بدأ يستيقظ ببطء. لم يكن أحد يستطيع أن يحدد متى بدأ ذلك الشعور بالضبط. لم يعلن عن نفسه بعاصفة أو بانفجار أو بانشقاق في الأرض، بل جاء بصمت، كضيف ثقيل دخل المدينة دون أن يراه أحد. حتى الحيوانات بدت أكثر اضطرابًا؛ الطيور التي كانت تحلق فوق أسوار القصر أصبحت تغير مسارها فجأة. والخيول داخل الإسطبلات أخذت تضرب الأرض بحوافرها بين حين وآخر دون سبب ظاهر، بينما راحت الكلاب تنبح نحو الفراغ كأنها تسمع شيئًا لا تصل إليه آذان البشر. لم يكن هناك صوت واضح، ولا اهتزازات عنيفة كما حدث سابقًا، لكن الهواء نفسه أصبح أثقل، والأنفاس أبطأ، والوجوه أكثر توترًا.الغريب أن الأطباء لم يجدوا تفسيرًا لما بدأ يشتكي منه بعض السكان. صداع متكرر، شعور بالاختناق، أرق، وأحلام متشابهة تتكرر عند أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا. كانوا يستيقظون وهم يتذكرون أنهم سمعوا صوتًا يأتي من مكان عميق جدًا، صوتًا لا يحمل كلمات، لكنه يترك في القلب خوفًا يصعب نسيانه. ومع كل يوم يمر، ازداد عدد الذين يدّعون أنهم رأوا ذلك الحلم نفسه. في الساحة الكبرى، حيث تقف تماثيل الحراس القدماء، بدأ الناس يتجمعون على مسافة آمنة، لا يقتربون... ولا يبتعدون. كانت التماثيل ما تزال في أماكنها، لكن وضعياتها لم تعد كما كانت. زاوية الرأس، انحناءة الكتف، اتجاه النظر... تغيّرت بشكل طفيف، كأنها أعادت ترتيب نفسها حين لم يكن أحد ينظر. كانت هذه التماثيل أقدم من المملكة نفسها، أو هكذا كانت تقول المخطوطات التي لم يعد كثيرون يصدقونها. صُنعت من حجر أسود لا يشبه أي صخر معروف في القارة، ولم يستطع أحد عبر القرون أن يفسر سبب بقائها سليمة رغم الأمطار والعواصف والزلازل. ولهذا لم يكن تغير وضعيتها أمرًا يمكن تجاهله أو اعتباره خداعًا للبصر، بل علامة أقلقت حتى أكثر رجال "أستاريا" عقلانية.أحد الحراس اقترب خطوة، ثم توقف. لم يجرؤ على لمسها، لكنه أقسم أنه رأى الحجر يتحرك قبل لحظات. عاد الحارس إلى الخلف بخطوات مترددة، لكنه لم يرفع عينيه عن التمثال. كان يقنع نفسه أن ما رآه مجرد انعكاس للضوء، أو أثر لإرهاق الأيام الماضية، إلا أن قلبه رفض تصديق ذلك. ولأول مرة منذ انضمامه إلى الحرس الملكي شعر أن السيف المعلق عند خاصرته لا قيمة له أمام حجر قديم لا يتحرك... أو ربما يتحرك عندما لا يراه أحد. انتشرت الأخبار في العاصمة بسرعة، كما تنتشر النار بين الأعشاب اليابسة. لم يعد الحديث يدور حول التماثيل وحدها، بل ظهرت عشرات الروايات الأخرى؛ من أقسم أنه سمع طرقات تحت الأرض، ومن ادعى أن مياه الآبار أصبحت أكثر دفئًا، ومن قال إن الليل صار أطول من المعتاد. لم يعرف أحد أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الشائعات، لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد... أن "أستاريا" لم تعد المدينة التي عرفوها.في أعلى القصر، كانت "سيرافينا" تراقب المشهد بصمت. لم يكن خوفًا ما تشعر به، بل شيئًا أقرب إلى الإدراك المتأخر... كأنها بدأت تفهم لماذا اختار "إيراث" الرحيل بدل المواجهة: "إنه ليس مجرد سحر." قالت بهدوء. كانت كلماتها أقرب إلى اعتراف منها إلى استنتاج. فطوال سنوات حكمها حاولت تفسير كل ما يحدث بمنطق المملكة وقوانينها وعلوم السحر التي ورثتها عن أسلافها. لكنها بدأت تدرك أن ما يقترب منهم لا يخضع لأي مدرسة سحرية معروفة، ولا لأي ميثاق حفظه الحكماء. كان شيئًا أقدم، شيئًا عاش تحت الأرض قبل أن تُبنى القلاع، وقبل أن تُرسم حدود الممالك. وقف "فايرُن" إلى جانبها، يراقب المدينة أيضًا، لكن نظرته لم تكن على الساحة... بل أبعد من ذلك، كأنه يحاول رؤية ما لا يظهر: "لم يكن يومًا كذلك." أجاب. ظل صامتًا بعدها للحظات، وكأن الذكريات أثقل من أن تُقال بسهولة. كان يعرف أن بعض الحقائق، بمجرد أن تُنطق، لا يمكن إعادتها إلى الظلام مرة أخرى. ولهذا ظل سنوات طويلة يراقب، ويجمع القطع المتناثرة، ويؤجل الحديث إلى أن تأتي اللحظة التي يصبح فيها الصمت أخطر من الكلام. التفتت إليه قليلًا. "وأنت... متى بدأت تعرف؟" لم يكن سؤالها اتهامًا، بل محاولة لفهم الرجل الذي وقف إلى جانب ثلاثة ملوك متعاقبين دون أن يفقد هدوءه. كانت تشعر أن "فايرُن" يحمل داخل ذاكرته فصلًا كاملًا من تاريخ "أستاريا" لم يُكتب في أي كتاب، وأن كثيرًا مما يحدث اليوم بدأ في ليلة لم يعرفها سوى قلة من الناس. لم يجب مباشرة، بل أخذ نفسًا بطيئًا، ثم قال: "في الليلة التي اختفت فيها ليورا." ارتجفت ملامح "سيرافينا" للحظة قصيرة. لم يكن اسم "ليورا" يثير الذكريات وحدها، بل يوقظ الأسئلة التي بقيت معلقة منذ ذلك اليوم. فاختفاء فارسة الظل لم يكن مجرد حادثة غامضة، بل نقطة تحول تغير بعدها كل شيء بصمت. ومنذ تلك الليلة، بدأ الماضي يترك ظله الطويل فوق حاضر المملكة، حتى أصبح من المستحيل الفصل بينهما. في الأسفل، في الممر المؤدي إلى الأرشيف القديم، كانت "ليورا" تقف وحدها، تحدق في الدرجات التي تنزل إلى الأعماق. لم تتحرك منذ دقائق، كأنها تنتظر شيئًا، أو تستعيد شيئًا. خطوات خفيفة قطعت الصمت. كانت "أوريانا". توقفت خلفها، ولم تقترب أكثر: "المدينة بدأت تشعر به." قالت. _"بل بدأت تتذكره." ردت "ليورا" دون أن تلتفت. _"تذكر ماذا؟" صمتت لحظة، ثم قالت: "السبب الحقيقي لبناء أستاريا هنا... وليس في أي مكان آخر." اقتربت "أوريانا" خطوة: "تتحدثين وكأنكِ كنتِ هناك." ابتسمت "ليورا" ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل فرحًا: "...لم أكن هناك." قالت. ثم أضافت: "لكن من علّمني... كان." تجمدت "أوريانا" قليلًا. "إيراث." لم تؤكد... ولم تنفِ. لكن الصمت كان كافيًا. في تلك اللحظة، اهتز الضوء في الممر، ليس كاهتزاز نار، بل كأن الظل نفسه تحرك. رفعت "ليورا" رأسها ببطء: "...لقد وصلوا." ظل الصمت يخيّم على الممر بعد كلمات "ليورا"، لكن ذلك الصمت لم يكن خاليًا من الحياة، بل كان ممتلئًا بشيء يصعب تفسيره. كان الهواء يزداد برودة كلما اتجهت العين نحو الدرج الحجري الغارق في الظلام، حتى إن المشاعل المعلقة على الجدران بدأت تخفت ألسنتها الزرقاء للحظات ثم تستعيد وهجها من جديد، وكأن قوة خفية تمر بينها. شعرت "أوريانا" بقشعريرة تسري في ذراعيها، ليس خوفًا مما تراه، بل من الإحساس الغريب بأن القصر كله أصبح يصغي إلى ما يحدث في أعماقه. وللمرة الأولى منذ سنوات خدمتها الطويلة، بدا لها أن الجدران العتيقة لم تعد مجرد حجارة صامتة، بل ذاكرة هائلة تحفظ ما أخفاه الزمن، وتنتظر اللحظة المناسبة لتكشفه لمن بقي حيًا. أخذت "ليورا" نفسًا عميقًا دون أن تحيد بنظرها عن الدرج، وكأنها تستمع إلى صوت بعيد لا يصل إلى غيرها. ثم همست بصوت بالكاد سمعته أوريانا: "كلما اقتربوا... ازداد نبض الأرض." لم تفهم "أوريانا" المقصود تمامًا، لكنها لاحظت أن درجات السلم الحجرية بدت أكثر ظلمة من قبل، وأن الرطوبة القديمة التي تغطي الجدران أخذت تتكاثف ببطء بينما ارتفع من الأعماق هواء بارد يحمل رائحة حجر عتيق لم تصله الشمس منذ قرون. كان المكان كله يمنح شعورًا بأن شيئًا يتحرك في الأسفل، ليس بخطوات ولا بأصوات، بل بحضورٍ ثقيل يفرض نفسه على المكان قبل أن يظهر. في نفس الوقت، في أحد الأزقة البعيدة عن القصر، كانت مجموعة صغيرة من الجنود تتحرك بحذر. لم يكونوا من الحرس الملكي، ولا من الجيش النظامي. دروعهم مختلفة، وحركتهم أكثر صمتًا، كأنهم لا يريدون أن يُروا. قادهم رجل لا يتكلم كثيرًا، لكن نظراته كانت حادة. توقف فجأة، ورفع يده: "هنا." قال. تقدموا نحو باب خشبي قديم، يبدو عاديًا في الظاهر، لكنه لم يكن كذلك. فتحوه ببطء. في الداخل... كان الضوء خافتًا. وفي الزاوية... كانت "سولو" تنتظر. لم تتحرك عندما دخلوا، فقط نظرت إليهم، وابتسمت: "تأخرتم." قالت. اقترب الرجل خطوة. "الوقت لم يحن بعد." ضحكت بخفة. "الوقت لا يُحن... بل يُصنع: "ثم نظرت إلى أحدهم مباشرة. "هل أحضرتم ما طلبته؟" تردد للحظة... ثم أخرج قطعة صغيرة، ملفوفة بقماش داكن. فتحتها سولو ببطء. حجر أزرق... لكن ليس كأي حجر. كان ينبض. رفعت حاجبها بإعجاب. "إذن... بدأتم تفهمون." في مكان آخر، جلس "نيريون" بهدوء، عيناه مغمضتان، كأنه يستمع إلى شيء بعيد. لم يكن يتكلم كثيرًا منذ هروبه، لكن عندما تكلم... كان الجميع ينصت: "النجوم لم تعد مرجعًا." قال بهدوء. رفعت "دافني" نظرها. "وماذا بقي إذن؟" فتح عينيه ببطء: "...ما تحتنا." ساد صمت. ثم قال: "لقد كانوا ينظرون إلى السماء بحثًا عن الإجابات... بينما الإجابة كانت تحت أقدامهم." في القصر، عاد "فايرُن" إلى الداخل ببطء، كأنه اتخذ قرارًا. وجد الملكة ما تزال في مكانها: "لم يعد هناك وقت للمراقبة." قال.نظرت إليه: "ماذا تقترح؟" اقترب قليلًا: "...أن نتحرك قبل أن يتحركوا." _"ومن هم؟" صمت لحظة. ثم قال: "...الطرف الذي لم يظهر بعد." لم تفهم فورًا. لكنها شعرت أن الإجابة قادمة. وفي تلك اللحظة... تردد صوت خافت في أعمق نقطة تحت القصر. لم يسمعه أحد بوضوح... لكن كل من في "أستاريا" شعر به. كأنه... نبض. نبضة واحدة. ثم صمت. لكن هذا الصمت لم يكن نهاية. بل بداية.