مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 3: القسم الثالث

القسم الثالث

ظل العرش_____________________________________________

لم يتحرك أحد. بقيت الكلمات الأخيرة التي نطقتها المرأة تتردد داخل قاعة الميثاق السحري كأن الجدران نفسها ترفض أن تدعها تموت سريعًا. "أنا... ملكة الأشباح." حتى بعد انتهاء الصوت، ظل الإحساس به معلقًا في الهواء، ثقيلًا وباردًا بصورة جعلت بعض الحاضرين يشعرون وكأن حرارة القاعة اختفت تمامًا. المشاعل الزرقاء المعلقة على الأعمدة الحجرية ارتجفت ببطء، وبدأ ضوؤها يضعف ثم يقوى من جديد، كأن السحر المحيط بالمكان نفسه أصبح غير مستقر. أما الصمت... فكان خانقًا. لم يكن أحد يعرف كيف يجب أن يرد. الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ قصصًا قديمة دُفنت منذ سنوات طويلة. قصص كانت تُقال همسًا بين السحرة، ثم توقفت فجأة، كأن أحدًا قرر أن الماضي يجب أن يبقى مغلقًا إلى الأبد. لكن الماضي كان يقف الآن أمامهم. بلحمٍ ودم. ارتجفت إحدى المشاعل بقوة، فألقت ظلالًا متكسرة على وجه المرأة ذات الدرع الأسود. بدت ملامحها حادة، باردة، وفي عينيها شيء غريب... شيء يشبه شخصًا عاش طويلًا داخل الظلام حتى أصبح جزءًا منه. رفعت "راغنيرا" سيفها ببطء، وصوت المعدن وهو يخرج تمامًا من غمده شقّ الصمت كجرح. قالت بنبرة حادة: "كذبة." لكن حتى هي شعرت أن صوتها لم يكن ثابتًا كما أرادت. كان هناك جزء صغير داخلها يعرف أن ما يحدث ليس خدعة عادية، ولا سحرًا بسيطًا يمكن قطعه بالسيف. المرأة لم تبدُ مهتمة بتهديدها أصلًا. كانت تنظر مباشرة إلى الملكة "سيرافينا". نظرة طويلة... قديمة... كأنها تنظر إلى شخص تعرفه منذ زمن بعيد جدًا. ثم قالت بهدوء: "كبرتِ... أكثر مما توقعت." شعرت "سيرافينا" بأن الكلمات أصابتها بطريقة غريبة. لم تكن مجرد جملة عابرة. كان في صوت المرأة شيء شخصي جدًا، شيء جعل قلب الملكة ينبض بعنف للحظة قصيرة. حاولت أن تتذكر أين سمعت ذلك الإحساس من قبل... لكن عقلها كان مزدحمًا أكثر من أن يجد الإجابة. أما "فايرُن"، فقد بقي يحدق في المرأة وكأنه يرى شبحًا عاد من قبره. تمتم بصوت خافت: "...هذا مستحيل." ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة، لكنها لم تحمل أي دفء: "كنت أعرف أنك ستقول ذلك." ثم بدأت تتقدم ببطء داخل القاعة. صوت خطواتها كان مختلفًا عن بقية الجنود والحراس، أثقل، أعمق، وكأن الدرع الذي ترتديه صُنع في زمن أقدم من "أستاريا" نفسها. حتى المعدن بدا غريبًا، أسود يميل إلى الرمادي الداكن، كأنه تشرب دخان الحروب القديمة. كل خطوة كانت تزيد التوتر داخل القاعة. الحراس شدوا قبضاتهم على أسلحتهم. أوريانا تحركت نصف خطوة أمام الملكة بشكل غريزي. أما "دافني"، فقربت كتاب الميثاق الأسود من صدرها، وكأنها تخشى أن يخرج شيء آخر من صفحاته. قالت ببرود: "لا أحد يدخل هذه القاعة دون إذن التاج." التفتت المرأة نحوها ببطء. وفي تلك اللحظة فقط، شعر بعض الموجودين بأن عينيها الرماديتين ليستا طبيعيتين. لم تكونا تعكسان الضوء مثل بقية العيون، بل تمتصانه بطريقة غير مريحة. قالت: "الميثاق... لم يُكتب من أجلكم." نزلت الكلمات فوق القاعة كقطرات جليد. شعرت "إيليثرا" — الكاهنة العظمى — بانقباض خفيف في صدرها. كانت تعرف جيدًا ما تعنيه تلك الجملة. الميثاق الذي يحكم "أستاريا" لم يكن البداية الحقيقية للمملكة. بل جاء بعد شيء أقدم. شيء حاول الجميع نسيانه. وقبل أن يتكلم أحد...اهتزت الأرض. في البداية كان الاهتزاز خفيفًا، بالكاد يُشعر به، مجرد ارتعاشة صغيرة مرت تحت الأقدام. لكن بالنسبة ل"نيريون"، كان ذلك كافيًا. رفع رأسه فجأة نحو سقف القاعة، واتسعت عيناه بصورة مخيفة. همس: "...لا." التفتت الملكة إليه بسرعة: "ماذا يحدث؟" لكن "نيريون" لم يجب مباشرة. كان ينظر إلى الأعلى، إلى ما وراء السقف الزجاجي، نحو السماء التي بدأت النجوم فيها تتحرك ببطء غير طبيعي. قال بصوت مرتجف: "النجوم..." توقف وكأن الكلمات تخنقه: "...تتحرك." ساد الصمت. حتى "راغنيرا" خفضت سيفها قليلًا دون أن تشعر. قالت "إيليثرا" ببطء: "النجوم لا تتحرك." لكن "نيريون" ظل يحدق في السماء، وعيناه ممتلئتان برعب حقيقي: "...إلا إذا استيقظ شيء قديم." شعرت "سيرافينا" بقشعريرة تمر عبر ذراعيها. منذ طفولتها كانت تسمع أن النجوم فوق "أستاريا" مرتبطة بالسحر القديم، وأن تغيّرها لا يحدث إلا عند وقوع كارثة كبرى. ولأول مرة منذ سنوات حكمها... شعرت بأن المملكة كلها بدأت تنزلق نحو شيء لا تستطيع السيطرة عليه. ثم... انفتح باب القاعة بعنف. ارتطم بالجدار الحجري بقوة جعلت الجميع يلتفت فورًا. دخلت امرأة ترتدي درعًا أبيض فضيًا، يلمع تحت ضوء المشاعل كضوء القمر فوق الثلج. كانت خطواتها سريعة، حادة، وعيناها تتحركان بتركيز بين الحاضرين. انحنت بسرعة أمام الملكة: "مولاتي." رفعت "سيرافينا" رأسها قليلًا: "أوريانا... أين كنتِ؟" لكن "لارا" — درع المملكة — همست قبل أن تجيب: "...الحارسة التاج الملكي." وقفت "أوريانا" بين العرش وبقية القاعة دون وعي تقريبًا، كأن جسدها اعتاد حماية الملكة حتى قبل أن يفكر عقلها بالأمر. ثم... توقفت عيناها على المرأة ذات الدرع الأسود. وفي لحظة واحدة، تغير وجهها. ذلك الثبات المعروف عنها تصدع للحظة قصيرة جدًا، لكنها كانت كافية لمن يراقبها جيدًا. همست بصوت منخفض: "...كيف خرجتِ؟" ابتسمت المرأة الرمادية ببطء: "إذن ما زال هناك من يتذكر." شعرت "أوريانا" بأن قبضة يدها على السيف اشتدت. كانت تعرفها. أو على الأقل... تعرف القصص عنها. قصص لم يكن يُسمح للحراس الجدد بسماعها كاملة. تقدم "فايرُن" خطوة إلى الأمام أخيرًا، وعيناه لا تفارقان المرأة: "هذا مستحيل." بدت نبرته هذه المرة أكثر توترًا: "...لقد ختمنا ذلك المكان." رفعت المرأة رأسها قليلًا، وكأنها تتذكر شيئًا قديمًا: "...نعم." ثم ابتسمت ابتسامة باردة جدًا: "لكنكم ختمتم البوابة الخطأ." في تلك اللحظة... اهتزت قلعة "أستاريا" بالكامل. هذه المرة لم يكن اهتزازًا بسيطًا. صوت ضخم دوّى من الأعماق، كأن شيئًا هائلًا تحرك تحت الأرض بعد نومٍ طويل جدًا. المشاعل انطفأت واحدة تلو الأخرى، والزجاج فوق القاعة ارتجف بعنف حتى ظن بعض الحاضرين أنه سيتحطم. صرخ أحد الحراس في الخلف. وتراجع آخرون خطوة بلا وعي. ثم... جاء الصوت. صوت بعيد جدًا، لكنه واضح بطريقة مرعبة. صوت يشبه آلاف الأصوات المختلطة معًا. صرخات. أنين. همسات. كأن مدينة كاملة تصرخ من تحت العالم. تجمّد الجميع. حتى المرأة الغامضة رفعت رأسها ببطء، بينما تحول وجه "نيريون" إلى شحوب مرعب. ثم... سقط على ركبتيه. كانت أنفاسه متقطعة، وعيناه مثبتتين على الأرض كأنه يرى ما تحتها مباشرة. همس بكلمة واحدة: "...المملكة." رفعت "سيرافينا" صوتها هذه المرة: "أي مملكة؟!" لكن "نيريون" لم ينظر إليها. بقي يحدق في الأرض، وصوته بالكاد خرج من بين شفتيه. كانت الدماء قد انسحبت بالكامل من وجنتيه، بينما امتدت في عروق يديه المتيبستين خطوطٌ دقيقة داكنة تُشبه شعيرات جليدية سوداء؛ أثر تسرب السحر الخام المتصاعد من باطن الأرض. انتشر في القاعة هواءٌ حارق يثير الغثيان، رائحة تشبه الغبار القديم والرماد المحترق قبل قرون، وكأن زفيراً قداماً نُبش من مقبرة جماعية أُغلق عليها الدهر. لم تعد المشاعل مجرد أضواء تذبذب، بل استحالت ظلال الجدران الحجرية إلى أشكال مائعة تتلوى كأذرع خفية تحاول التشبث بأقدام الحاضرين. حتى سيف "راغنيرا" المشهور بصلابته الماسية بدا وكأنه يئنّ تحت وطأة الضغط السحري الرهيب، بينما عجزت "أوريانا" عن التقدم خطوة واحدة، إذ صار الهواء ثقيلاً كأنهم يغرقون في أعماق محيط من الزئبق الأسود. تطلّعت الملكة "سيرافينا" حولها بنظرات مليئة بالذهول؛ رأت أعتى محاربيها وحراس تاجها يرتجفون في صمت، ورأت كتاب الميثاق في يد "دافني" يتوهج بوميض خافت خافق كأنه قلب يعاني من نزعه الأخير. خيل للجميع للوهلة الأولى أن زلزالاً جغرافياً يضرب أسس القلعة، لكن الحقيقة كانت أشد هولاً؛ كان المكان يدرك بحدسه السحري أن هوية الزائر ليست جحيماً قادماً من الخارجي، بل هي عودة لماضٍ سُلب قهراً ومُحي من سجلات التاريخ. امتزج الأنين المتصاعد من الأعماق بصوت انكسار صامت في قلوب الجميع، وكأن السقف الزجاجي فوقهم لم يعد يفصلهم عن السماء، بل عن هاوية سحيقة كانت تنتظر هذه اللحظة منذ أزل. رفع "نيريون" رأسه بغتةً، وبعينين غائمتين يتداخل فيهما بريق النجوم المتحركة مع سواد الأرض المشقوقة، لفظ أنفاسه المتهدجة بكلامٍ بلعه الخوف قبل أن يخرج كاملة... "...مملكة الأشباح."