القسم الرابع
الصدى الأخير___________________________________________
لم يغادر أحد المكتب. كان الصمت قد عاد ليستقر فوق الجدران الحجرية، لكن لم يعد يشبه الصمت الذي سبق اكتشاف الدفاتر والخرائط. أصبح صمتًا مثقلًا بالتساؤلات، كأن كل ركن في الغرفة يخفي كلمة لم تُقل بعد، أو أثرًا لم تمتد إليه الأيدي. وقفت "سيرافينا" أمام النافذة العالية، تحدق في حدائق القصر الممتدة أسفلها. كانت أشجار السرو تتحرك مع الريح الخفيفة، بينما واصل الجنود تدريباتهم في الساحات، غير مدركين أن داخل هذا المكتب بدأت معركة من نوع آخر؛ معركة لا تُخاض بالسيوف، بل بالأسئلة. أما "فايرُن"، فلم يكن ينظر إلى الخارج. ظل يدور ببطء داخل الغرفة. مرة يتوقف أمام رفوف الكتب. ومرة أمام الخرائط. ثم يعود إلى الطاولة. كان يتحرك كما لو أنه يحاول تذكر شيء أفلت من ذاكرته، لا كما لو أنه يبحث عن شيء ضائع. راقبته راغنيرا طويلًا. ثم قالت: "أنت لا تبحث." لم يرفع رأسه: "بل أتذكر." تبادلت "سيرافينا" و"دالميرا" النظرات. سألت الملكة: "ماذا تحاول أن تتذكر؟" توقف أخيرًا أمام الجدار الشرقي للمكتب. كان جدارًا عاديًا، تتوسطه لوحة زيتية كبيرة للملك "إيراث" في سنوات حكمه الأولى. وقف أمامها بصمت. ثم قال: "هذه اللوحة..." اقتربت دالميرا: "ما بها؟" أجاب دون أن يحول نظره عنها: "ليست مكانها." ساد الصمت. قالت راغنيرا: "كيف عرفت؟" ابتسم ابتسامة خافتة: "لأنني كنت حاضرًا يوم علّقها." اقترب أكثر. مد يده إلى إطارها الخشبي. مرر أصابعه على حوافه ببطء، كأن ذاكرته تسبق حركته. ثم توقف: "الغبار." نظرت "سيرافينا" باستغراب: "ماذا عنه؟" قال: "الغبار يغطي الجدار كله..." ثم أشار إلى أحد أطراف الإطار: "...إلا هنا." اقتربت "دالميرا". وبالفعل... كان هناك خط رفيع، بالكاد يُرى، يخلو من الغبار تمامًا. قالت: "حُركت مؤخرًا." بقي "فايرُن" يتأمل موضع اللوحة لحظات، ثم قال: "في السنوات الأخيرة من حكمه... لم يكن يسمح لأحد بترتيب هذا المكتب." سألت "راغنيرا": "حتى الخدم؟" أومأ: "كان يدخل بنفسه مع طلوع الفجر، ويغادره آخر الليل. وإذا وجد كتابًا تحرك من مكانه، أعاده كما كان قبل أن يبدأ أي عمل آخر." قالت سيرافينا: "ظننت أنه كان شديد التعلق بكتبه." ابتسم "فايرُن" ابتسامة خفيفة: "لم يكن يتعلق بالكتب..." ثم نظر إلى اللوحة: "...بل بما قد تخفيه." هز فايرُن رأسه: "أو..." وصمت. أكملت سيرافينا: "...أنها تتحرك من حين إلى آخر." لم يجب. لكنه أمسك طرف اللوحة بكلتا يديه. وسحبها ببطء. صدر احتكاك خافت بين الخشب والحجر. ثم انكشفت فجوة صغيرة داخل الجدار. لم تكن كبيرة. ولا تشبه الخزائن السرية التي تظهر في القصص القديمة. مجرد تجويف ضيق، لا يتسع إلا لشيء واحد. مدت "سيرافينا" يدها إليه. ثم توقفت. لم يكن داخله صندوق. ولا مخطوطة. ولا قطعة أثرية. بل رق صغير مطوي بعناية. تناولته بحذر. كان مختومًا بالشمع الأزرق. لكن الختم لم يحمل شعار أستاريا. بل دائرة بسيطة... وفي وسطها نقطة واحدة. نظر فايرُن إلى الختم طويلًا. قالت راغنيرا: "هل تعرفه؟" بقيت أنظار الجميع معلقة بالختم الأزرق. لم يكن يحمل شعارًا ملكيًا، ولا ختمًا معروفًا من أختام "أستاريا". قالت دالميرا: "لو وصل هذا الرق إلى المكتبة الملكية، لما استطاع أحد تحديد الجهة التي أرسلته." أجاب فايرُن: "ولهذا احتفظ به إيراث." التفتت إليه سيرافينا: "لأنه مجهول؟" هز رأسه: "بل لأنه لم يشبه شيئًا عرفناه." أجاب بعد لحظة: "لا..." ثم أضاف: "...لكنني رأيته من قبل." رفعت سيرافينا عينيها إليه: "أين؟" ظل صامتًا. ثم قال: "على رسالة كانت مع إيراث." _ "وماذا كانت الرسالة؟" ابتسم ابتسامة قصيرة: "لو عرفتها..." ثم نظر إلى الرق: "...لما بقيت أبحث حتى اليوم." ساد الصمت. كسرت سيرافينا الختم. فتحت الرق ببطء. لم يكن طويلًا. ولم يحتوِ إلا بضعة أسطر. بدأت تقرأ بصوت هادئ: "إن وصلت هذه الكلمات إلى غيري..." توقفت لحظة. ثم تابعت: "...فهذا يعني أن الوقت لم يعد ملكي." انخفضت أنفاس الجميع. أكملت القراءة: "أخطأت حين ظننت أنني سأسبقهم." نظر فايرُن إلى الأرض. لم يتكلم. أما سيرافينا... فواصلت: "ولا تكرروا خطئي." ثم وصلت إلى السطر الأخير. قرأته مرة. ثم أعادته ثانية، كأنها لم تصدق ما رأت: "لا تبحثوا عن الكتاب داخل أستاريا." ساد الصمت. هذه المرة... لم يكن صمت دهشة. بل صمت غيّر اتجاه أفكارهم جميعًا. اقتربت راغنير: "إذن..." ثم نظرت إلى فايرُن: "...كان يعلم." أجاب المستشار بهدوء: "كان يشك." التفتت إليه سيرافينا: "وهل هناك فرق؟" ابتسم ابتسامة متعبة: "كان يقول دائمًا..." ثم سكت. _ "ماذا كان يقول؟" رفع عينيه إليها: "إن أخطر ما يفعله الباحث..." توقف لحظة: "...أن يصدق أول إجابة يجدها." عادت "سيرافينا" إلى الرسالة. قلبتها بين يديها. لم يكن على ظهرها شيء. ولا بين طياتها أي ورقة أخرى. مجرد كلمات قليلة... لكنها بدت أثقل من عشرات المخطوطات التي قرأوها منذ الصباح. قالت دالميرا: "إذن كل رحلاته..." قاطعتها سيرافينا: "لم تكن هروبًا." ثم نظرت إلى الخريطة الموضوعة على الطاولة: "...كانت بحثًا." اقترب "فايرُن" منها ببطء. مد يده فوق الخريطة. ثم أشار إلى حدود أستاريا. وقال: "لهذا..." حرك إصبعه خارج حدود المملكة: "...لم يتوقف هنا." مرت لحظة طويلة. قبل أن تقول "سيرافينا" بهدوء: "إذن..." رفعت الرسالة مرة أخرى: "...كنا نبحث من البداية في المكان الخطأ." بقيت الرسالة بين يديها، بينما عاد الصمت يملأ الغرفة. اقترب "فايرُن" من النافذة، وألقى نظرة طويلة نحو أبراج "أستاريا". قال بصوت منخفض: "كان إيراث يقول إن المملكة ليست حدودًا..." ثم سكت لحظة: "...بل نقطة بداية." التفتت إليه راغنيرا: "ولم أفهم يومها ما الذي قصده." أجاب وهو يبتعد عن النافذة: "أما اليوم..." ثم نظر إلى الرسالة: "...فأخشى أنني بدأت أفهم." لم يزد على ذلك شيئًا. لكن الكلمات وحدها كانت كافية لتجعل الجميع يدرك أن ما يبحثون عنه لم يعد سرًا يخص "أستاريا" وحدها، وأن الطريق الذي بدأه "إيراث" منذ سنوات لم ينتهِ باختفائه... بل بدأ الآن من جديد. تلاقت أعينهم في عتمة الغرفة التي بدأت تبتلع الفجر، وشعر كل واحد منهم بخفقات قلبه تتسارع كأنهم يقفون على أطراف جرف سحيق. كان للرق الخفيف في يد الملكة وزناً يفوق كل المراسلات الملكية التي تسلمتها في حياتها، وزناً يُحدد مصير أمة بأكملها. أخرج "فايرُن" تنهيدة طويلة حملت مرارة السنوات الخوالي، وتشتتت نظرات "دالميرا" و"راغنيرا" بين الخريطة الممتدة والجدار الشاحب. بدا أن الجدران الحجرية للمكتب لم تعد تحميهم من حقيقة العالم الخارجي، بل أصبحت تُحاصرهم في زاوية الضوء الأخيرة. لم يجب أحد. لكن أحدًا أيضًا... لم يعترض.
يتبع...