القسم الثاني_ القصر الملكي
لم يكن القصر الملكي في "السنديان" مجرد مقرٍ للحكم، بل كان القلب الذي تنبض منه المملكة كلها. كان هذا البناء المهيب يُمثل تجسيداً حياً لعهود السلم القديمة، حيث تداخلت أحجاره لضخمة المستخرجة من أعماق الجبال مع طمأنينة الأرض التي يقف عليها. لم يكن مجرد جدران وأسوار، بل كان حصناً روحياً ودبلوماسياً، صُمم ليعكس هيبة الحضارة العربية في أوج ازدهارها. في عروق تلك الحجارة، سكنت حكايات الأجداد الذين قاوموا عواصف الصحراء وتقلبات الزمان، وصنعوا من هذا المقر مركزاً تتطلع إليه بقية الممالك السبع، متأملةً كيف يمكن للعدل أن يبني صرحاً لا تهزه المؤامرات. شُيّد فوق أعلى ربوةٍ تُشرف على العاصمة، حتى بدا وكأنه يحتضن المدينة بين ذراعيه، لا ليراقبها من علٍ، بل ليكون أول من يراها مع شروق الشمس، وآخر من يودعها مع غروبها. كانت قبابه المذهبة تلمع كل صباح، فتنعكس أشعتها على النوافذ الحجرية والأسواق الممتدة في الأسفل، حتى يخيل للناظر أن المدينة بأكملها ترتدي ثوبًا من الذهب. هذا الضياء الذهبي لم يكن مجرد زينة بصرية، بل كان إشارة يومية تبث الأمان في نفوس الباعة الجوالين، وأصحاب القوافل القادمة من أقاصي الأرض، والذين كانوا يرون في بريق القباب منارة ترشدهم عبر دروب الصحراء الموحشة. كان هذا الانعكاس يربط القصر بالأسواق برباط وثيق، وكأن البريق الملكي يمتزج بعرق الجبين وصيحات التجار في الأسفل، مؤكداً أن الثروة الحقيقية للسنديان لا تكمن في خزائنها المغلقة، بل في حيوية شوارعها وحرية شعبها التي تنعكس على جدران السلطة. أما جدرانه، فقد نُحتت عليها زخارف عربية دقيقة، تروي حكايات الملوك الذين تعاقبوا على حكم "السنديان". وقصص الفرسان الذين عادوا منتصرين، والعهود التي وُقعت بين الممالك لتجنب الحروب وإراقة الدماء. ومن بين تلك النقوش المحفورة بعناية، كانت تبرز رموز قديمة تشير إلى الاتفاقيات التاريخية المشتركة، مثل المخطوطات التي تذكر مملكة "أستاريا"، حارسة التوازن السحري؛ حيث كان الملوك القدامى يدركون أن سحر "أستاريا" يحتاج إلى حكمة "السنديان" السياسية ليظل العالم متزناً. كانت الخطوط المنحنية تروي كيف التقت الرمال بالرماد الأزرق في أزمنة غابرة لتوقيع مواثيق تمنع القوى المظلمة في مملكة "غورموث" من التمدد. كل نقش كان بمثابة وثيقة دستورية مكتوبة بحجر لا يبلى، تذكر كل من يمر بها أن هذا السلام كُتب بجهود أجيالٍ كاملة من الحكماء والسحرة والفرسان. ولذلك، كان الناس يقولون دائمًا: "إن أردت أن تعرف تاريخ "السنديان"... فلا تقرأ الكتب، بل تأمل جدران قصرها." في البهو الرئيسي، كان ضوء الشمس يتسلل من النوافذ العالية، فيرسم على الأرض أشكالًا هندسية بديعة، بينما انتشرت أعمدة الرخام الأبيض على جانبي القاعة، يتوسطها ممر طويل يقود إلى قاعة العرش. لم يكن هناك صخب كما في قصور الممالك الأخرى. الخدم يؤدون أعمالهم بهدوء. الحراس يقفون بثباتٍ دون أن يشيحوا بأبصارهم. والوزراء يدخلون ويخرجون حاملين لفائف المراسيم والوثائق، في نظامٍ اعتاده القصر منذ عقود. هذا الهدوء الرصين كان نتاج قرون من التنظيم السياسي والإداري الصارم الذي تميزت به جزيرة السادة، العاصمة السياسية، والتي استلهمت "السنديان" منها بعض نظمها الإدارية دون أن تفقد هويتها العربية الأصيلة. لم يكن الصمت هنا دليلاً على الخوف أو الخنوع، بل كان هدوء الواثقين، حيث يعرف كل فرد دوره بدقة متناهية؛ فالكتبة يدركون قيمة الكلمة التي يخطونها. والمستشارون يزنون قراراتهم بميزان الذهب. والحراس يرون في حماية هذا المكان واجباً مقدساً يتجاوز مجرد الوظيفة. مما جعل القصر يعمل كآلة زمنية دقيقة تدور تروسها بسلاسة منقطعة النظير. حتى الطيور وجدت مكانها هنا. كانت أسراب الحمام تحط فوق الشرفات الواسعة، غير هيّابة من البشر، وكأنها تعلم أن هذا القصر لم يُبنَ ليكون رمزًا للقوة وحدها، بل رمزًا للأمان أيضًا. في إحدى الشرفات المطلة على العاصمة، وقف الملك "حارث" صامتًا. أسند كفيه إلى الدرابزين الحجري، وأخذ يتأمل المدينة التي بدأت تمتلئ بالحركة شيئًا فشيئًا. لم يكن يرى الأسواق... ولا القباب... ولا الطرقات المزدحمة. كان يرى الناس. ذلك الشيخ الذي يفتح متجره كل صباح منذ عشرات السنين. وذلك الطفل الذي يركض خلف أخيه ضاحكًا. والمرأة التي تحمل سلة الخبز إلى منزلها. كل وجهٍ في المدينة كان يعرفه، أو يشعر أنه يعرفه. كان "حارث" يستمع إلى همسات الرمال التي تأتي بها الرياح من أطراف البادية، وهي تحمل أصوات البشر، ضحكاتهم، وحتى أنفاسهم المتعبة. كان يشعر أن كل دقة قلب في هذه المدينة تقع مسؤوليتها المباشرة فوق عاتقه. تذكر النبوءات القديمة المحفوظة في سجلات المكتبة، والتي كانت تتحدث عن ملك يمتلك حكمة الصحراء ويقود شعبه وسط أمواج الظلام العاتية. هذه المسؤولية لم تكن تشعره بالفخر بقدر ما كانت تملأ قلبه بمهابة الموقف، فالشعرة الفاصلة بين ازدهار الممالك وسقوطها تكون أحياناً أدق من السيف، وهو مصمم على ألا يفرط في هذا الإرث العظيم. ولهذا، لم يكن يعتبر نفسه سيدًا عليهم... بل مسؤولًا عنهم. تنهد بهدوء وقال لنفسه: "ما أثقل التاج حين يكون ثمنه راحة الناس." خلفه، فُتح باب الشرفة بهدوء. دخلت الملكة "عَفراء" بخطوات رقيقة، ترتدي ثوبًا أبيض مطرزًا بخيوط ذهبية، يتمايل مع نسيم الصباح.رغم أن علامات الحمل بدأت تظهر عليها، إلا أن ملامحها بقيت مشرقة. يملؤها ذلك الهدوء الذي أحبّه شعب "السنديان" فيها منذ أن أصبحت ملكتهم. توقفت إلى جواره، ولم تتكلم مباشرة. عرفت أنه غارق في أفكاره. فاكتفت بأن تنظر إلى المدينة معه. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: "كلما وقفت هنا... أشعر وكأن المملكة أكبر مما أتخيل." التفت إليها "حارث"، ثم ابتسم للمرة الأولى منذ الصباح: "بل مسؤوليتها هي التي تكبر." نظر "حارث" إلى عيني "عَفراء"، ورأى فيهما الانعكاس الحقيقي للمستقبل الذي يحارب من أجله. كان هذا الحمل يمثل ولادة عهد جديد للسنديان، خطوة نحو تأمين سلالة العرش الحاكمة التي ستحمل اللواء من بعده. وفي ظل الأنباء المقلقة التي بدأت تتوارد من خلف الحدود عن اضطراب توازن السحر في "أستاريا" وتفشي ظلال الخيانة هناك، كان يرى في "عَفراء" وطفلهما القادم الحصن الأخير الذي يجب حمايته بكل ما أوتي من قوة. لقد كان يعلم أن قوى الظلام إذا تحركت، فلن ترحم أحداً، وأن مستقبل عائلته الصغير هو جزء لا يتجزأ من مستقبل "السنديان" العظيم. خفضت بصرها نحو الساحة الممتدة أمام القصر، حيث كان الأطفال يلهون قرب النافورة. وقالت بصوت دافئ: "أتعلم...؟ ما زلت أتذكر أول مرة وقفت فيها هنا بعد زواجنا." نظر إليها باهتمام. ابتسمت وهي تستعيد الذكرى: "كنت أخشى أن أخطئ في كل شيء... حتى في طريقة تحية الناس." ضحك الملك ضحكة خافتة: "أما الآن..." التفتت إليه: "...فأصبحتِ أقرب إليهم مني." ابتسمت بخجل، ثم وضعت يدها على ذراعه: "لأنهم يحبونك... ولذلك يحبون من يحبك." ساد بينهما صمت جميل. ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات. كان نسيم الصباح يحمل معه عبق الحرية الذي يميز مملكة البدو المجاورة، حيث تتلاقى قصص الأسفار مع حكمة الحواضر. تشابكت أيديهما فوق الشرفة، وفي تلك اللحظة تجسد معنى الوفاء والعهد المكتوب بالدموع الذي تأسست عليه المملكة. كانت "عَفراء" تشعر بنبضات قلب زوجها المتسارعة، وتدرك بحسها الأنثوي والملكي أن وراء نظراته الحانية قلقاً دفيناً لا يريد إظهاره خوفاً عليها. هذا الرابط غير المرئي بينهما كان يمنحهما القوة لمواجهة ما هو قادم، فالأيام السعيدة هي الذخيرة الحقيقية التي يتسلح بها الملوك عندما تهب العواصف وتضطرب الأرض تحت الأقدام. وفي الأسفل... كان قائد الحرس، "يمان"، يتفقد تبديل النوبات بين الجنود. أما الوزير "عرفان"، فكان يراجع مع الكتبة سجلات القوافل التي دخلت المملكة منذ شروق الشمس. وفي الجهة الغربية من القصر، كان المستشار "منذر" يعقد اجتماعًا مع رئيس العلماء "رشاد"، لمناقشة أحوال التجارة والمخازن قبل حلول موسم الصيف. كان رئيس العلماء "رشاد" يقلب صفحات مخطوطة قديمة تم نسخها من مكتبة بابل، محاولاً فهم التغيرات المناخية الغريبة التي طرأت على حركة النجوم في الآونة الأخيرة؛ فالتقارير الواردة من الفلكيين تشير إلى أن النجوم لم تعد تسير في مساراتها المعتادة، وهو أمر لطالما ارتبط في الأساطير بظهور قوى السحر الأسود المحرم أو عودة كتاب الرماد الأزرق للظهور في "أستاريا". ورغم أن الاجتماع كان يبدو تقليدياً لمناقشة السلع والمخازن، إلا أن نظرات "منذر" و"رشاد" كانت تخفي توجساً كبيراً من أن يكون هذا الصيف مختلفاً عن كل ما سبقه. وأن مخازن المملكة قد تحتاج إلى تدابير استثنائية إذا ما فُرض عليها حصار أو حرب غير متوقعة. كانت المملكة تسير كما اعتادت... بانتظامٍ يبعث على الطمأنينة. لكن... في مكانٍ بعيد، عند أحد أبراج المراقبة المقامة على أطراف الصحراء، كان أحد الحراس يرفع يده فوق عينيه، محدقًا في الأفق. بدا له شيءٌ يتحرك بين كثبان الرمال البعيدة. لم يستطع تمييزه. تردد لحظة... ثم أمسك بالبوق النحاسي. لكن قبل أن ينفخ فيه... اختفى كل شيء. قطب حاجبيه في حيرة، وهمس: "لعلها كانت خدعة من حرارة الصحراء..." ثم عاد إلى مكانه. غير مدرك... أن الصحراء بدأت تخفي أسرارًا لم تكن تخفيها من قبل لم تكن تلك الحركة مجرد سراب عابر أو خدعة بصرية صنعتها حرارة شمس الضحى، بل كانت خيوطاً أولى لظلال منسية بدأت تتسلل عبر الحدود الرملية. كانت هناك طاقة خفية، تشبه تموجات السحر المحرم، تتحرك ببطء وتقترب من قلب "السنديان" النابض. النبوءة الغامضة التي بدأت تتجلى في أروقة قصر "أستاريا" كانت تمتد خيوطها الآن لتشمل مملكة العرب؛ فالبوابة التي فُتحت من الداخل هناك تركت أثراً سحرياً تتردد أصداؤه في عمق رمال البادية. بينما عاد الحرس إلى موقعه مطمئناً، كانت أشباح الظلام قد بدأت بالفعل في كتابة الفصل الأول من الخيانة التي ستهز عروش الممالك السبع بأكملها وتوقظ ما دفن لآلاف السنين.