القسم الخامس
ثم أتى صوت صاحبة البيت، كانت تصرخ، تطلب منا أن نصمت. سكتنا قليلًا… ثم ضحكنا. لم ندرك حجم الإزعاج. لم يكن الضحك تحديًا أو استهزاءً. كنا صغارًا أكثر من أن نفهم حجم الإزعاج الذي قد يسببه صوتنا للآخرين. بعد دقائق قليلة عاد اللعب كما كان، وعادت الضحكات ترتفع شيئًا فشيئًا دون أن نشعر أننا نقترب من مشكلة تنتظرنا عند عودة الكبار. حين عاد والداي، وقفت صاحبة البيت تشتكي، لكنها لم تشتكِ فقط... بل بالغت. قالت إننا خربنا البيت، وأننا نكسر الأشياء، وأننا لا نحترم المكان. كنت واقفًا أسمع، لم أحاول الدفاع عن نفسي، كنت أعرف شكل عيني أمي حين تتراكم عليها الضغوط، ولم يمرّ اليوم بسلام. كنت أنظر إلى الأرض أكثر مما أنظر إلى الوجوه. أعرف ذلك التعب الذي يتجمع في ملامح أمي عندما تتوالى عليها المشكلات الواحدة بعد الأخرى. أحيانًا يكون الإنسان متعبًا إلى درجة أن المشكلة الأخيرة لا تكون السبب الحقيقي لغضبه، بل مجرد القشة التي جعلت كل ما قبله ينهار دفعة واحدة. أخرجت الحزام، بدأت بنا واحدًا بعد الآخر، لم يكن الضرب بسبب القدر، كان بسبب كل شيء. بسبب البناء الذي لم يكتمل. بسبب المال الذي ينقص. بسبب التعب. بسبب الضيق. بسبب الحياة التي لا تستقر. حتى وأنا طفل، كنت أشعر أن شيئًا ثقيلًا يتحرك فوق رؤوسنا دائمًا. بيت مؤقت، ثم انتقال، ثم بناء، ثم انتظار. لم يكن هناك شيء ثابت لفترة طويلة. كانت الأيام تمضي وكأنها تقف على قدم واحدة، تنتظر الخطوة التالية قبل أن تستقر. حين جاء دوري، لم أبكِ هذه المرة، لم أصرخ، كنت أفكر في شيء واحد فقط: لا تتعلّق بشيء. ولا تفرح كثيرًا. لم أصغ هذه الفكرة بهذه الكلمات في ذلك العمر، لكنها كانت موجودة بشكل ما داخل إحساسي. كلما أحببت مكانًا غادرناه. كلما اعتدت على شيء تغير. لذلك بدأت أحتفظ بمسافة صغيرة بيني وبين الأشياء، مسافة لا يراها أحد، لكنها كانت تكبر بهدوء عامًا بعد عام. في تلك الليلة، لم أحلم، لكنني استيقظت فجأة… دون سبب. فتحت عيني على الظلام. الجميع كانوا نائمين. لم يكن هناك صوت غير أنفاس متقطعة وصوت بعيد قادم من الشارع. بقيت مستيقظًا للحظات أحدق في السقف. لم أعرف لماذا استيقظت، ولم أعرف لماذا شعرت أن شيئًا ما يتحرك في داخلي. ليس خوفًا، وليس حزنًا. مجرد يقظة مفاجئة وسط الليل، ثم عاد كل شيء إلى هدوئه المعتاد. قبل انتقالنا بثلاثة أشهر تقريبًا، كنا مجتمعين أمام الباب المعدني. وقت العصر هادئ، الأولاد يلعبون في الشارع، النساء يتحدثن، الرجال يضحكون بصوت منخفض. كان صديقي "حيدر" معنا، كان يضحك كثيرًا في تلك الفترة، يقف قريبًا مني أكثر من الآخرين. كان وجوده يجعل الأيام أخف قليلًا. من ذلك النوع من الأصدقاء الذين لا يحتاجون إلى جهد كبير لتجلس معهم أو تتحدث إليهم. كانت بيننا راحة بسيطة وصادقة، ولهذا كنت أجد نفسي أقضي معه وقتًا أطول من بقية الأولاد. كنت أحمل كأس ماء، لا أعرف لماذا فعلت ذلك. سكبته عليه. كانت واحدة من تلك اللحظات السريعة التي تحدث قبل أن يفكر الإنسان بنتائجها. لحظة عفوية جدًا، ولعبة صغيرة من ألعاب الأولاد التي تبدأ بضحكة أو حركة مفاجئة. لم أكن أعرف أن ثواني قليلة كهذه ستتحول بعد لحظات إلى ذكرى بقيت عالقة في ذهني سنوات طويلة. كنت أضحك، كنت أظنه مزاحًا عابرًا... لم أفكر أن الماء أحيانًا ليس مجرد ماء، توقف عن الضحك، نظر إليّ. لم يصرخ. لم يدفعني. فقط تغيّر وجهه، قلت بسرعة: "أمزح, أمزح فقط… صدقني." لكنه لم يبتسم، تركنا… وذهب لبيته، ظننت أنه سيعود بعد دقائق. لم يعد. بقيت أنظر في الاتجاه الذي ذهب نحوه للحظات. لم أشعر بالقلق وقتها، ولم أتوقع أن الأمر أكبر من مزحة عابرة بين صديقين. الأطفال يختلفون ثم يعودون للعب بعد ساعة، هكذا كنت أظن دائمًا. لذلك أكملت يومي بشكل طبيعي، وأنا مقتنع أن الغد سيعيد كل شيء كما كان. في اليوم التالي في المدرسة، رآني… ثم غيّر اتجاهه. فعلت الشيء نفسه، لا أعرف لماذا لم أقترب منه مرة أخرى، لا أعرف لماذا لم أعتذر ثانية. كانت تلك أول مرة أشعر أن شيئًا حقيقيًا قد انكسر بيننا. لم تكن هناك كلمات قاسية، ولا شجار، ولا عراك. فقط ذلك الابتعاد الصامت الذي يصعب فهمه أكثر من أي خصام. رأيته من بعيد، ورآني من بعيد، وكل واحد منا اختار طريقًا مختلفًا. بدت اللحظة قصيرة جدًا، لكنها بقيت عالقة في ذاكرتي أكثر مما توقعت. كنت مقتنعًا أنني لم أخطئ، كان مجرد مزاح، لكن في داخلي… كان هناك شيء آخر. كنت أقول لنفسي إن الأمر لا يستحق. شيء يقول: لا تتوسل لأحد. لا تذهب خلف أحد. إذا أراد أن يبتعد… فليبتعد. كنت أكرر هذه الأفكار داخل رأسي وكأنني أقنع نفسي بها. كلما تذكرت الأمر عدت إليها من جديد. كانت تبدو قوية من الخارج، لكنها كانت تخفي شيئًا آخر في الداخل. شيئًا أقرب إلى الخوف من الخيبة، أو الخوف من أن أمد يدي ثم لا أجد أحدًا في الجهة الأخرى. مرّت الأيام، لم نعد نتكلم، كنا في الصف نفسه، لكن بيننا مسافة أكبر من ناحية "الجوادين"، لم يحدث شجار، لم تحدث قطيعة معلنة... فقط صمت. الغريب أن الصمت يعتاد الإنسان عليه بسرعة. في الأيام الأولى كنت أنتبه لغيابه في كل مكان؛ في الصف، في الطريق، في أوقات الاستراحة. ثم بدأ الغياب يتحول إلى عادة. ومع ذلك، كانت هناك لحظات مفاجئة أتذكره فيها دون سبب، فأشعر بشيء صغير يتحرك داخلي ثم يهدأ من جديد. لم أذهب لأقول له وداعًا، لم أطرق بابه، لم أفكر حتى في ذلك، كنت أقول لنفسي: هو الذي ابتعد أولًا، لكن الحقيقة… أنني كنت أخاف أن أُرفض مرة أخرى. لم أكن أعترف بذلك لنفسي وقتها. كنت أختبئ خلف العناد والكبرياء وأقنع نفسي أن الأمر لا يهم. لكن السنوات علمتني أن بعض الأبواب لا نطرقها ليس لأننا لا نريد ما خلفها، بل لأننا نخشى أن تبقى مغلقة. منذ ذلك اليوم، تغيّر شيء داخلي. لم يحدث التغيير في ليلة واحدة. لم أستيقظ صباحًا فأجد نفسي شخصًا آخر. كان الأمر أبطأ من ذلك بكثير. مثل شق صغير في جدار يكبر مع الوقت دون أن ينتبه له أحد. كنت ما أزال أضحك وألعب وأذهب إلى المدرسة، لكن شيئًا ما في أعماقي أصبح أكثر حساسية، وأكثر استعدادًا للانفجار عند أول ضغط. لم أعد أغضب ببطء، صرت أغضب بسرعة. أرفع صوتي لأسباب صغيرة. أرمي ما في يدي حين أضيق. كأس. صحن. أي شيء قريب. ثم أندم بعدها بدقائق. أجلس وحدي وأتساءل لماذا فعلت ذلك أصلًا. لماذا بدا الغضب أكبر من السبب؟ ولماذا أصبحت الأشياء الصغيرة تستفزني بهذه السهولة؟ لم أكن أملك جوابًا واضحًا. كنت فقط أشعر أن هناك مشاعر كثيرة تتراكم داخلي ولا تجد طريقًا للخروج. لم أكن أفعل ذلك لأكسر الأشياء، كنت أفعل ذلك لأن شيئًا في داخلي يريد أن ينفجر. ربما كانت الانتقالات الكثيرة. وربما الضيق والتعب والانتظار الطويل الذي عشته العائلة كلها. وربما أمور أخرى لم أكن أفهمها بعد. لكنني أتذكر ذلك الإحساس جيدًا؛ إحساس شخص يحاول أن يبدو قويًا وغير مبالٍ، بينما يحمل في داخله أكثر مما يظهر للناس. كنت أقول إنني لا أهتم... لكنني كنت أهتم أكثر مما ينبغي. وكانت تلك هي المشكلة الحقيقية. لم يكن قلبي باردًا كما كنت أدعي، ولم أكن غير مبالٍ كما كنت أحاول أن أبدو. كنت أتعلق بالأماكن، وبالناس، وبالذكريات أكثر مما أعترف به. وحين أخسر شيئًا منها، كنت أتصرف وكأن الأمر لا يهم... بينما يظل أثره يتحرك في داخلي بصمت طويل. لم أكن أعلم بأن الماء الذي سكبتُه عليه، لم يكن ماءً فقط... بل كان بداية انسحاب. أحيانًا تبدأ المسافات من أشياء صغيرة جدًا. كلمة لم تُقل في وقتها، اعتذار تأخر، نظرة تغيّرت، أو كأس ماء بدا في لحظته مجرد مزاح. لكن بعض اللحظات لا تُقاس بحجمها، بل بما تفتحه داخل الإنسان من أبواب لم يكن يعرف أنها موجودة. لكنني في الليل… كنت أبكي، لم أبكِ أمام أحد لم أذكر اسمه، كنت أبكي لأن شيئًا بسيطًا…انتهى بلا سبب كبير. كان ذلك أكثر ما يؤلمني. لو حدث شجار كبير ربما لفهمت النهاية، لو قيلت كلمات قاسية ربما وجدت سببًا واضحًا للحزن. لكن أن ينتهي شيء هادئ بهذه الطريقة الصامتة، فهذا كان أصعب. كانت النهاية بلا صوت، ولذلك بقي صداها أطول. ثم جاء يوم الانتقال. ومثل كل مرة أتت سيارة النقل وحملنا أغراضنا. تركت العمل. تركت المدرسة. تركت الشارع. وتركت حيدر. لم أودعه. لم أبحث عنه في اليوم الأخير. لم أمرّ قرب بيته. لا أعرف هل كان ذلك كبرياءً أم خوفًا أم هروبًا من لحظة الوداع. لكنني أتذكر أن اسمه ظل عالقًا في داخلي مع أسماء الأماكن التي غادرتها، كأن كل انتقال كان يأخذ معه شخصًا أو شيئًا لا يعود. ظننت أن الحياة ستعطينا فرصة أخرى... لكن الحياة لا تعد بشيء. لم أعد الطفل الذي يبكي حين يُكسر شيء، صرت أسبق الكسر أحيانًا ولم أعد أركض خلف من يبتعد. كل انتقال كان يبدو وكأنه بداية جديدة، لكنه كان يحمل خسارته معه. كنت أتعلم ذلك ببطء. لا توجد بداية تأتي وحدها، كل بداية تأخذ من خلفك شيئًا. بيتًا، شارعًا، مدرسة، صديقًا، أو نسخة قديمة منك. صرت أتركه يذهب… وأقول إنني لا أهتم، كنت أتعلم شيئًا لم يعلّمني إياه أحد: أن أتخفف قبل أن يُخفَّف عني. أن أبتعد قبل أن يُتركني أحد. أن أغضب بدل أن أحزن. كان الغضب أسهل. يظهر بسرعة، يرفع الصوت، يكسر شيئًا، ثم يترك خلفه صمتًا قصيرًا. أما الحزن فكان أبطأ وأعمق، يحتاج إلى مواجهة لا أملك شجاعتها دائمًا. لذلك اخترت الطريق الأسهل دون أن أعرف أنني أختاره. لم أكن أعرف أن الغضب قناع، وأن القناع حين يطول ارتداؤه… يصبح وجهًا وفي تلك السنوات، لم يتغير المكان فقط... بل تغيرت أنا. لم يكن التغيير واضحًا لمن حولي. لم أتحول فجأة إلى شخص آخر، ولم أفقد طفولتي كلها دفعة واحدة. لكن في الداخل، كانت أشياء صغيرة تتبدل؛ طريقة تعلقي، طريقة غضبي، طريقة صمتي، وحتى طريقتي في توديع الأشياء قبل أن تغادرني. وهكذا حملنا اغراضنا وذكرياتنا وسارت بنا سيارة النقل إلى ضاحية "النهروان“. لم أكن أعرف يومها ما الذي ينتظرنا هناك. كنت أعرف فقط أننا نرحل مرة أخرى. سيارة النقل، الأثاث، الغبار، الطريق، والوجوه الصامتة نفسها. لكن هذه المرة لم أكن أحمل أغراضي فقط… كنت أحمل شيئًا أثقل؛ شعورًا بأن كل مكان نتركه يأخذ جزءًا منا، وأن الجزء الذي يبقى معنا لا يعود كما كان.
ختام الفصل الثالث