القسم الرابع
حين كان يتحدث كان الجميع ينصت. لم يكن يرفع صوته كثيرًا، ولم يكن يحتاج إلى ذلك أصلًا. كانت طريقته في الكلام هادئة وواثقة، وكأنه معتاد على أن يُستمع إليه. حتى نحن الصغار كنا نلتفت إليه عندما يبدأ الحديث. وفي إحدى الليالي، ونحن في الصالة نشاهد التلفاز بعد العشاء، كنا نتحدث في مواضيع شتى، حتى فتح الشيخ حميد موضوعًا لم يكن بالحسبان، وغيّر مجرى حياتي. لو سألني أحد في ذلك المساء عما سيحدث لاحقًا، لما استطعت تخيل أي شيء استثنائي. كانت ليلة عادية مثل عشرات الليالي التي سبقتها. جلسة عائلية، وتلفاز يعمل في الخلفية، وحديث يتنقل بين موضوع وآخر بلا أهمية خاصة. لا أعرف كيف بدأ الحديث، لكني أعلم أن الشيخ حميد سأل أبي قائلًا: "جمال! هل تؤمن بالعالم الآخر؟" — هل تقصد يوم الآخرة؟ — لا، لا أقصد يوم الآخرة، بل العالم الآخر… عالم الجن والملائكة والشياطين. بمجرد أن سمعت تلك الكلمات انتبهت أكثر. لم يكن الحديث عن الجن غريبًا تمامًا علينا، فهذه المواضيع كانت موجودة في القصص الشعبية والأحاديث الدينية التي نسمعها منذ الصغر. لكن الطريقة التي قالها بها الشيخ حميد جعلت الموضوع يبدو مختلفًا هذه المرة. رد عليه أبي: "نعم، كل ما ذُكر في القرآن الكريم نحن نؤمن به، حتى لو لم نستطع أن نرى الجن أو الملائكة." كنت أستمع بصمت. لا أشارك في الحديث، لكنني أتابع كل كلمة. شيئًا ما في داخلي كان فضوليًا بطبيعته، خصوصًا تجاه الأمور الغامضة التي لا نجد لها تفسيرًا مباشرًا. واصل حديثه: "وما رأيك إن أخبرتك بأن هناك طريقة لكي ترى… ونستحضر الملائكة؟" ساد الصمت لثوانٍ قصيرة بعد الجملة. حتى التلفاز الذي كان يعمل في الخلفية بدا وكأن صوته ابتعد فجأة. التفتت الأنظار نحوه، واختلطت على الوجوه علامات الاستغراب والفضول. أما أنا، فلم أكن أعرف أن تلك الكلمات البسيطة ستكون بداية الطريق نحو الأسئلة التي سترافقني سنوات طويلة بعد ذلك. هنا انصدم الجميع من كلامه، ولم يتكلم أحد. أتذكر أن الصالة سكتت للحظات فعلًا. كان الحديث قبل دقائق يدور حول أمورعادية جدًا، ثم انتقل فجأة إلى موضوع لم نعتد سماعه بهذه الجدية. حتى أنا، رغم صغر سني، شعرت أن الجو تغير بطريقة يصعب وصفها. لم يعد أحد يتحدث بعفوية كما قبل. حتى قاطع الصمت أبي قائلًا، ضاحكًا أو ربما مستهزئًا بالموضوع: "وكيف ذلك؟ هههه" بدا أن أبي قالها وهو لا يأخذ الأمر على محمل الجد بالكامل. ربما ظن أن الشيخ يمزح، أو أنه يبالغ في وصف بعض الأمور الروحانية التي يتحدث عنها. لكن الشيخ حميد لم يضحك، بل بدا جادًا بصورة لفتت انتباه الجميع. ردّ أبو مرتضى: "منذ فترة انضممتُ إلى الصوفية، وهناك تُقام طقوس خاصة بشكلٍ دوري." لم أكن أعرف الكثير عن الصوفية وقتها. كانت كلمة سمعتها من قبل بشكل عابر، لكنني لم أكن أفهم معناها الحقيقي. لذلك بدأت أستمع باهتمام أكبر، محاولًا أن أفهم ما الذي يتحدث عنه بالضبط. واصل شيخ حميد حديثه: "تتمحور طقوس الصوفية حول تزكية النفس والتقرب إلى الله عبر الزهد، والذكر الجماعي، وحلقات الحضرة التي تتضمن أحيانًا إنشادًا وحركات بدنية (شطحات)." "تشمل الطقوس الرئيسية “الخلوة” للعبادة، و”الذكر” المكثف، وزيارة الأضرحة، وتختلف هذه الطقوس بين الطرق مثل القادرية والشاذلية، حيث يلتزم المريد بتعليمات شيخ الطريقة." "مجالس الذكر والإنشاد (الحضرة): وهي تجمعات يُنشد فيها المريدون القصائد الدينية (المدائح النبوية) بأسلوب جماعي، شبيه ل*رقصة الدراويش*وغالبًا ما يصاحبها الذكر (ترديد اسم الله أو “هو”)، ويصل بعضهم إلى حالات من الاندماج الروحي أو الحركات الجماعية." كان الجميع متعجبًا ومنصدمًا من حديثه. بعض الوجوه أظهرت فضولًا، وبعضها أظهر شكًا واضحًا. أما أنا فكنت في منتصف الطريق بين الاثنين. لم أصدق كل شيء، ولم أرفض كل شيء. كنت فقط أستمع، وربما للمرة الأولى أشعر بانجذاب حقيقي نحو موضوع غامض لا أفهمه بالكامل. واستمرّ بالحديث: "وأيضًا من ضمنها الخلوة والتربية، حيث يعتكف المريد في مكانٍ منعزل لفترات محددة للعبادة، والصيام، وتصفية القلب، تحت إشراف شيخ الطريقة." كان يتحدث بثقة كبيرة، وكأنه يشرح شيئًا يعرفه جيدًا وليس مجرد قصة سمعها من أحد. وكلما استمر بالكلام، ازداد انتباه الحاضرين، حتى أولئك الذين بدوا غير مقتنعين في البداية. أكمل: "والزيارات والمواسم: مثل الاحتفال بموالد الأولياء والصالحين وزيارة أضرحتهم، والتي تُعد في بعض الثقافات جزءًا من التراث الشعبي الصوفي.""وقراءة الكتب الروحانية، واستحضار الجن وعمار المكان والملائكة لغاياتهم." عند هذه النقطة تحديدًا، شعرت أن الحديث دخل منطقة مختلفة تمامًا. لم يعد الكلام عن العبادة أو الذكر أو السلوك الروحي فقط، بل عن أمور كنت أسمعها في الحكايات الشعبية وقصص الكبار التي تُروى همسًا أكثر مما تُقال علنًا. لا أعلم لماذا فتح هذا الموضوع، في ذلك الوقت لم أفكر كثيرًا بالأسباب. كنت منشغلًا بالاستماع فقط. لكن عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الليلة الآن، أستطيع أن أفهم كيف كان الشيخ يرى أوضاعنا الصعبة، وكيف كان يحاول أن يقدم تصورًا يعتقد أنه قد يساعد أو يفتح بابًا جديدًا أمام أبي. لكني استنتجت بأن الشيخ أراد، بطريقةٍ ما، أن يساعد والدي، خاصةً أننا كنا قد تعسرت بنا الطرق، ولم نملك المال، ولم يكن أحد يعمل، وأبي كذلك. كانت تلك من الفترات الثقيلة على العائلة. الجميع يحاول أن يجد طريقه، والجميع ينتظر تحسن الأحوال. لذلك كانت أي فكرة تحمل وعدًا بالخروج من الضيق تجد من يستمع إليها على الأقل، حتى لو بدت غريبة. وبهذه الطريقة، إن تعلّم أبي كيف يستحضر الملائكة أو الجن، ويسخرهم في خدمته، وبعد أن يتمكن من إتقانها، سيصبح شيخًا قادرًا على تسخيرهم، ويسترزق من ذلك، ويحمل عبء المسؤولية كباب رزقٍ لنا. لم يكن الأمر بالنسبة لي مرتبطًا بالمال بقدر ما كان مرتبطًا بالفضول. كانت هذه أول مرة أسمع شخصًا يتحدث عن تلك العوالم وكأنها أشياء يمكن الاقتراب منها أو التعامل معها، لا مجرد أمور غيبية بعيدة نؤمن بوجودها دون أن نفكر فيها كثيرًا. في تلك الفترة، بدأ الشيخ حميد يزور بيتنا باستمرار. ومع تكرار الزيارات، لم يعد حديث تلك الليلة مجرد موضوع عابر انتهى وانتهى معه النقاش. بل بدأ يتحول شيئًا فشيئًا إلى جزء من الأحاديث التي تتكرر داخل البيت. ولم أكن أعلم حينها أن الفضول الذي استيقظ داخلي في تلك الأمسية سيقودني لاحقًا إلى أبواب لم أكن أتخيل أنني سأقترب منها يومًا. لم تكن زيارات عادية، بل كانت مرتبطة بأمر يشغل أبي ويثير فضوله. شيئًا فشيئًا بدأت أفهم أن الأمر يتعلق بعالم لم أكن أعرف عنه إلا القليل؛ عالم الملائكة والجن والأسرار التي لا تُرى. بالنسبة لي، لم يكن هذا العالم مخيفًا في البداية بقدر ما كان غامضًا. كنت قد سمعت الكثير من القصص منذ طفولتي؛ قصص عن الجن والبيوت المهجورة والأشياء التي تحدث ليلًا. لكن تلك القصص كانت دائمًا بعيدة، تخص أشخاصًا آخرين وأماكن أخرى. أما الآن فقد بدأ الحديث يدور داخل بيتنا نفسه. قبل كل جلسة كانت هناك استعدادات خاصة. يُطلب منا الاستحمام وارتداء ملابس نظيفة، ويُنظف المكان بعناية، ثم تُشعل أعواد البخور فتملأ رائحتها الغرفة. كانت رائحة البخور تسبق بداية الجلسة دائمًا. ومع مرور الوقت أصبحت أربط تلك الرائحة مباشرة بتلك الليالي. ما إن تنتشر في المكان حتى أعرف أن جلسة جديدة ستبدأ، وأن حديثًا مختلفًا عن أحاديث الأيام العادية سيملأ الغرفة. كان أبي يجلس في جهة، والشيخ حميد في الجهة المقابلة، وبينهما يجلس وسام بهدوء. أما أنا فكنت أجلس قريبًا منهما، أراقب كل شيء بعينين لا تفوتهما تفصيلة. لم أكن أحب الابتعاد. كنت أريد أن أرى كل شيء بنفسي. أراقب الوجوه، وطريقة الكلام، والكتب المفتوحة، وحتى لحظات الصمت التي كانت تتخلل الجلسات. كان فضولي أكبر من خوفي في تلك المرحلة. كان الشيخ يفتح كتبه القديمة ويبدأ بقراءة آيات من القرآن، ثم ينتقل إلى كلمات لم أكن أفهمها. لم تكن آيات، ولم تكن دعاءً مألوفًا. كانت أقرب إلى أقسام ونداءات وترديدات غامضة تثير فضولي أكثر مما تطمئنني. لم أكن أفهم معظم ما يُقال، لكن الغموض نفسه كان يجذبني. كلما سمعت شيئًا لا أفهمه، شعرت برغبة أكبر في معرفة معناه. وربما منذ تلك الفترة بدأت علاقتي بالأسئلة تكبر أكثر من علاقتي بالإجابات. بعد مدة قصيرة، يبدأ جسد وسام بالاسترخاء. تثقل عيناه شيئًا فشيئًا، ثم يستلقي وكأنه غارق في نوم عميق. كنت أراقب أخي باستغراب. قبل دقائق فقط كان يجلس معنا بشكل طبيعي، ثم يبدأ بالتغير تدريجيًا أمام عيني. لم أكن أعرف كيف أفسر ما أراه، ولذلك كنت أتابع كل حركة باهتمام شديد، وكأنني أخشى أن تفوتني تفصيلة مهمة. عندها توضع ورقة على صدره وقلم في يده، ويبدأ الشيخ بطرح الأسئلة. كنت أراقب بدهشة كيف تتحرك يده فوق الورقة، وكيف تظهر الكلمات وكأنها تأتي من مكان لا أراه. كانت تلك اللحظات من أكثر اللحظات التي أثارت دهشتي. لم أكن أعرف هل ما أراه طبيعي أم غير طبيعي. كنت فقط أشاهد بصمت، أحاول أن أجد تفسيرًا واضحًا لما يحدث أمامي، لكنني في كل مرة أخرج بأسئلة أكثر من التي دخلت بها. تكررت تلك الجلسات مرات كثيرة، وكان أبي يتعلم ويجرب ويزداد اهتمامًا بها مع الوقت. بدا أن أبي وجد في هذه الجلسات شيئًا يستحق المتابعة. ربما بسبب الفضول، وربما بسبب الظروف الصعبة التي كانت تمر بها العائلة، أو ربما للأمرين معًا. ومع مرور الأيام أصبحت هذه اللقاءات جزءًا مألوفًا من حياتنا الأسبوعية. أحيانًا كانوا يحاولون أن أكون أنا الشخص الجالس في المنتصف بدل وسام، لكن الأمر لم يكن ينجح بالطريقة نفسها. كنت أبقى مستيقظًا، متوترًا، أراقب أكثر مما أستجيب. وهذه كانت مشكلتي دائمًا كما كانوا يقولون. كنت أراقب وأفكر وأحلل أكثر مما ينبغي. لم أستطع أن أترك عقلي جانبًا بسهولة. كل شيء بالنسبة لي كان يحتاج إلى تفسير، وكل إجابة كانت تفتح سؤالًا جديدًا بعدها. وحين سألت الشيخ وأبي عن السبب، كانت الإجابة تتكرر دائمًا: "الملائكة تأتي لأنقياء القلوب. والذين لا يفكرون كثيرأ" ثم أضاف "لا تحاول التفكير وان تسأل فقط دع احساسك ومشاعرك تسيطرعليك وليس فكرك". أتذكر أنني لم أقتنع تمامًا بهذه النصيحة. كنت أومئ برأسي احترامًا للكلام، لكن داخلي كان يقاومه. كيف أتوقف عن التفكير؟ وكيف أقبل شيئًا دون أن أسأل عنه؟ كانت تلك الفكرة وحدها كافية لتشغلني أيامًا طويلة. بقيت هذه العبارة عالقة في رأسي سنوات طويلة. وربما لأنها لامست شيئًا حقيقيًا في شخصيتي. فمنذ طفولتي كنت أميل إلى المراقبة أكثر من المشاركة، وإلى السؤال أكثر من التسليم. لم أكن أفعل ذلك عنادًا، بل لأن عقلي كان يتحرك تلقائيًا في هذا الاتجاه. هل كنت أقل إيمانًا من أخي؟ هل كنت كثير الأسئلة؟ هل كنت أشك أكثر مما ينبغي؟ أم أنني كنت فقط أريد أن أرى بعيني قبل أن أصدق؟ لم أكن أعرف. لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط؛ أن تلك الجلسات لم تعد مجرد زيارات عادية لصديق قديم من أصدقاء أبي. كان هناك باب يُفتح ببطء أمامي، باب يقود إلى عالم من الأفكار والأسئلة والقصص الغامضة. ولم أكن أدرك حينها أن فضولي تجاه ذلك الباب سيكبر أكثر فأكثر في السنوات التالية. بدأت أسمع عن ملاك موكل لكل يوم، وخدام الآيات، وعُمّار الأماكن، وعن الجن وعوالمهم وعشائرهم واختلاف معتقداتهم. وكلما سمعت أكثر، ازداد فضولي. كنت أشعر أنني أقف أمام باب كبير لا أرى ما خلفه بالكامل. كل إجابة أسمعها كانت تفتح سؤالًا جديدًا، وكل قصة تقود إلى قصة أخرى. ولم يكن الأمر متعلقًا بالجن أو الملائكة فقط، بل بذلك الشعور الغامض بأن هناك طبقات أخرى للعالم لا يراها معظم الناس أو لا ينتبهون إليها. لم أعد أكتفي بالاستماع إلى الشيخ أو أبي، بل بدأت أبحث بنفسي. ولم أعد أكتفي بما يُقال في الجلسات. صرت أدوّن أسماء الكتب، وأسأل عن المؤلفين، وأبحث عن أي شيء يتحدث عن هذه المواضيع. بعض الكتب كانت دينية خالصة، وبعضها مليء بحكايات غريبة، وبعضها يخلط بين الحقيقة والأسطورة بطريقة لم أكن أستطيع التمييز بينها دائمًا. اشتريت الكتب، وقرأت ما استطعت الوصول إليه من كتب روحانية وصوفية ودينية، وكأنني أحاول أن أجد إجابة لسؤال لم أكن أعرف كيف أصيغه. وربما لهذا السبب استمر الفضول. لو كان السؤال واضحًا لربما وجدت له جوابًا وانتهى الأمر. لكنني كنت أبحث عن شيء أعمق من معلومة أو قصة. كنت أبحث عن معنى إحساس يتكرر داخلي منذ سنوات دون أن أستطيع الإمساك به. ومن هناك، بدأ اهتمامي يتغير شيئًا فشيئًا، دون أن أدرك أن ذلك الفضول الصغير سيقودني لاحقًا إلى طرق لم أكن أتخيل وجودها. في تلك المرحلة بدا كل شيء مجرد قراءة واهتمام عابر. لم أكن أرى أن هناك رابطًا بين الحوادث التي عشتها، والكتب التي أقرأها، والأسئلة التي تتكرر داخلي. لكن حين أنظر إلى الماضي الآن، أرى خيوطًا صغيرة كانت تتجمع ببطء دون أن أنتبه إليها.