القسم الثاني
كان التغيير أكبر من قدرتي على استيعابه في ذلك العمر. الأحداث التي كانت تملأ نشرات الأخبار ليلًا ونهارًا أصبحت واقعًا يعيشه الجميع. وفجأة وجد الناس أنفسهم أمام بلد مختلف عن الذي عرفوه لسنوات طويلة. الأيام التي سبقت ذلك كانت ثقيلة وبطيئة، ثم فجأة بدأت الأحداث تتلاحق بصورة سريعة. حتى الأحاديث التي كانت تتكرر كل يوم اختفت وحلت محلها أحاديث جديدة تمامًا. أسماء جديدة، ووقائع جديدة، وأسئلة جديدة. وكأن صفحة كاملة من التاريخ طُويت دفعة واحدة وبدأت صفحة أخرى تُكتب أمام الجميع. وجوه تختفي، وأخبار جديدة تظهر، وأحاديث الناس تتغير من يوم إلى آخر، وكأن البلد كله دخل مرحلة جديدة دفعة واحدة. كان الشعور العام مزيجًا غريبًا من الأمل والقلق. بعض الناس كانوا يتحدثون عن المستقبل بحماس، وآخرون كانوا ينظرون إليه بحذر شديد. أما أنا فكنت أراقب فقط، كما اعتدت دائمًا، وأحاول أن أفهم ما يحدث حولي. أتذكر تلك الأيام جيدًا؛ كانت هناك حركة في الشوارع لم أرها منذ فترة طويلة. أصوات الناس عادت ترتفع، والتجمعات أصبحت أكثر، والوجوه بدت أقل توترًا مما كانت عليه خلال أيام الحرب. لكن خلف ذلك كله بقيت حالة من الترقب لا تخطئها العين. كانت الشوارع تبدو مختلفة حتى وإن بقيت كما هي. الناس يخرجون أكثر، والمحلات تفتح أبوابها لساعات أطول، والجميع يحاول أن يفهم ما الذي ينتظرهم بعد كل ما حدث. في جلسات المساء كانت الأحاديث لا تنتهي، كل شخص يروي ما سمعه أو ما يتوقعه، بينما كنا نحن نراقب كل ذلك بصمت. كنت أجلس أحيانًا مستمعًا فقط. أراقب الكبار وهم يناقشون المستقبل والسياسة والأوضاع الجديدة. بعض الكلام كنت أفهمه، وبعضه يمر فوق رأسي، لكنني كنت أشعر أن الجميع يدرك أن الأيام القادمة لن تكون عادية. نشعر أن مرحلة طويلة قد أغلقت أبوابها أخيرًا، وأن مرحلة أخرى بدأت تتشكل أمام أعيننا ببطء. عاد خوالي إلى بيوتهم، وبدأت حياتنا تأخذ شكلاً جديدًا. للمرة الأولى منذ فترة طويلة عاد البيت أقل ازدحامًا. كان وداعهم مختلفًا هذه المرة. لم يكن وداع انتقال أو زيارة قصيرة، بل عودة إلى حياة بدأت تستعيد شيئًا من توازنها. ومع خروجهم عاد البيت إلى حجمه الحقيقي بعد أشهر طويلة من الازدحام. عاد لكل شخص مكان ينام فيه تقريبًا، وعادت بعض المساحات الصغيرة التي افتقدناها. لم يكن الأمر مثاليًا، لكنه منحنا شعورًا بأننا نستطيع التنفس بصورة أفضل. حتى الليالي أصبحت أكثر هدوءًا. عاد لكل شخص شيء من مساحته الخاصة، وعادت بعض العادات القديمة التي اختفت خلال فترة الازدحام. تفاصيل صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتجعل الحياة أخف قليلًا. مرّت الشهور بهدوءٍ نسبي، لم يكن هدوءًا كاملًا، فآثارالحرب كانت ما تزال موجودة في كل مكان، لكن مقارنة بما عشناه سابقًا بدا الأمر وكأنه فترة هدنة طويلة. هدنة سمحت للناس بأن يلتقطوا أنفاسهم ويعيدوا ترتيب أولوياتهم من جديد. وبدأت الحياة تستعيد شيئًا من إيقاعها الذي افتقدناه طويلًا. عادت بعض الأعمال إلى الحركة، وبدأ الناس يفكرون من جديد بالمشاريع التي توقفت والأحلام التي أُجلت بسبب الحرب. وكان حلم البيت واحدًا من تلك الأحلام المؤجلة. الأرض ما تزال تنتظر، وأبي وأمي ما يزالان يتحدثان عن البناء كلما سنحت الفرصة. ومع كل حديث جديد كنت أشعر أن ذلك الحلم القديم يرفض أن يموت مهما طال انتظاره. وبينما كنا نتأقلم مع بيتنا المؤقت، بقيت قطعة الأرض تنتظر دورها، وكأنها تذكرنا كل يوم بأن الاستقرار الحقيقي ما زال هناك، مؤجلًا فقط إلى أن تسمح الظروف. قرر أبي وأمي أن يبدأ البناء على أرضنا. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم نكن ننتقل إلى بيت اشتراه أحد أو استأجره، بل إلى بيت سيُبنى أمام أعيننا حجرًا فوق حجر. جاء العمال مع بداية الصباح، وبدأت أكوام الرمل والطابوق والإسمنت تحتل المكان. كانت أمي تقف بينهم منذ ساعات الفجر، تراقب كل شيء بعين لا تفوتها التفاصيل. لم تكن تتصرف كصاحبة بيت تنتظر انتهاء العمل، بل كأنها المهندس والمشرف وصاحب المشروع في الوقت نفسه. هي من رسمت الخارطة على الورق. وهي من قررت أين تكون الغرف، وأين يمر الضوء، وأين تُفتح النوافذ. بعد كل ما عشناه من تنقلات، كانت تريد بيتًا يشبه ما حلمت به دائمًا، لا ما فرضته الظروف علينا. انتهى البناء خلال شهر تقريبًا، لكنه لم يكن مكتملًا. بقيت فتحة السطح مكشوفة للسماء، وبقي الدرج بلا غرفة تحيط به، وبقيت زوايا كثيرة تنتظر المال قبل أن تكتمل. كان البيت صالحًا للسكن، لكنه ما زال يحمل آثار المعركة التي خاضتها أمي مع الوقت والمال. انتقلنا إليه رغم ذلك. غرفة وصالة ومطبخ صغير وملحقات بسيطة. رتبنا الأثاث، وفرشنا البطانيات، ووضعنا أغراضنا في أماكنها الجديدة. كنا نحاول أن نسمي ما يحدث "استقرارًا"، رغم أننا لم نعد نثق بهذه الكلمة كثيرًا. في تلك الفترة تغيرت أشياء كثيرة. تزوج هاشم، وانتقل ليبدأ حياته الخاصة. عاد وسام وسهام إلى المدرسة. وجد أبي عملًا في السوق الكبير في المنطقة عند رجل يبيع الساعات والإكسسوارات، بينما وجد عاصم عملًا في محل للملابس النسائية في السوق نفسه. وعادت أختي هيام تزورنا بين حين وآخر، كما عاد الشيخ حميد أبو مرتضى إلى بيتنا بعد غياب. كان البيت يمتلئ بالناس أحيانًا، لكنه بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى. كل واحد بدأ يسير في طريقه. وكنت أنا أيضًا أحاول أن أجد طريقي. بعد أن أنهيت سنتين في المدرسة الصناعية في منطقة "حي الحشود" أو ماتسمى "بوابة الشمال". بدأت أشعر أنني أسير في طريق لا أريده. لم يكن الأمر مفاجئًا أو قرارًا وُلد في يوم واحد. كان شعورًا يتراكم بهدوء مع مرور الأشهر. كلما تقدمت في الدراسة أكثر، ازداد إحساسي بأنني موجود في مكان لا يشبه ما كنت أتخيله لنفسي حين كنت أصغر سنًا. أصريت على والداي بستمرار بان اترك مدرسة الصناعة وان ارجع لمرحلة الثانوية. كنت أكرر الموضوع في أوقات مختلفة؛ أثناء الطعام، أو في المساء، أو حين أجد فرصة للحديث مع أبي أو أمي على انفراد. لم يكن الأمر نزوة عابرة بالنسبة لي، بل رغبة حقيقية أصبحت ترافقني كل يوم. السبب بأن مدارس الصناعية كانت فكرة الرئيس السابق والذي أسسها في فترة حكميه. المدارس الصناعية التي كانت تُعد الطلاب لوظائف مضمونة في المصافي النفط والمعامل، راتب كبير مع حصص نفط وغاز، لكن بعد سقوط النظام. تغيرت أشياء كثيرة في البلد خلال فترة قصيرة. أمور كانت تبدو ثابتة لسنوات طويلة أصبحت فجأة غير واضحة. وحتى الخطط التي كان الناس يبنون عليها مستقبلهم بدأت تهتز مع تغير الظروف. فلم تعد كما كانت. كان هذا أكثر ما يقلقني. لم أعد أرى الطريق أمامي واضحًا كما كان يُقال لنا في البداية. وكلما سمعت حديثًا جديدًا عن الأوضاع أو الوظائف أو مستقبل الدراسة، ازداد اقتناعي بأن الأمور لم تعد مضمونة كما كانت. لم يعد أحد يعرف ما الذي سيحدث لخريجيها، ولا إن كانت شهاداتها ستبقى تحمل القيمة نفسها. شيئأ فشيئأ إلغيت هذه المدارس ولم يعترف بشهادتها. كنت قد التحقت بقسم الكهرباء لأنني لم أجد مكانًا في قسم الحاسوب الذي كنت أحلم به، لكن الظروف تغيّرت بعد سقوط النظام. شعرت وكأن القرار الذي اتخذته قبل سنوات لم يعد يناسب الواقع الجديد. ليس لأن قسم الكهرباء سيئ، بل لأن العالم من حولنا كان يتغير بسرعة، بينما كنت أشعر أنني أسير في اتجاه لم أعد مقتنعًا به بالكامل. بدأت ألح على والديّ كل يوم تقريبًا. أردت العودة إلى الثانوية. حتى لو اضطررت إلى خسارة سنتين كاملتين من عمري الدراسي. كنت أعلم أن الأمر ليس بسيطًا. سنتان في ذلك العمر تبدوان فترة طويلة جدًا. لكنني كنت أفكر أن خسارة سنتين الآن أهون من أن أقضي سنوات لاحقة في طريق لا أريده أصلًا. كانت أمي ترفض الفكرة بشدة. وكنت أفهم سبب رفضها. فقد عاشت معنا كل التنقلات والصعوبات والمصاريف التي مرت بالعائلة. كانت تنظر إلى الموضوع بعين الأم التي تريد أن ترى أبناءها يصلون إلى نهاية الطريق بأقل قدر ممكن من الخسائر. كانت تنظر إلى الأمر كمن يرى شخصًا يعود إلى الخلف بعد أن قطع نصف الطريق. قالت لي: "نحن نحاول أن نوصلك إلى نهاية الدراسة، وأنت تريد أن ترجع سنتين للوراء. من أين نأتي بمصاريف مدرسة جديدة؟" كنت أفهم كلامها. لذلك لم تكن بيننا مشاجرات حقيقية حول الموضوع. كنت أستمع إليها، وهي تستمع إليّ، لكن كل واحد منا كان يرى الصورة من زاوية مختلفة. لكنني لم أستطع التخلي عن الفكرة. للمرة الأولى منذ وقت طويل، شعرت أنني لا أريد أن أترك الظروف تختار عني. كنت أريد أن أختار بنفسي. وربما كانت هذه أول مرة أشعر فيها بهذه القوة تجاه قرار يخص مستقبلي. فقد اعتدت أن تفرض الظروف علينا الكثير من الأشياء، أما هذه المرة فكنت أحاول أن أتمسك بما أريده أنا. حتى لو كان الثمن سنتين كاملتين. لكن بدون جدوى قبلت الأمر كما قبلت أشياء كثيرة في حياتي… دون أن أفهم لماذا. شعرت بخيبة صغيرة بقيت داخلي فترة طويلة. ليس لأنني لم أحصل على ما أريد فقط، بل لأنني كنت أشعر أن الطريق استمر في اختيار نفسه دون أن يمنحني فرصة حقيقية لتغييره. في تلك السنوات، السنتين اللتين سبقتا الحرب والسنة التي تلتها، تعرفت على أصدقاء كثيرين في المدرسة الصناعية. كانت المدرسة رغم كل شيء مليئة بالذكريات. ساعات الدراسة، وورش التدريب، والطرق الطويلة ذهابًا وإيابًا، والأحاديث التي تبدأ داخل الصف وتستمر خارج أسوار المدرسة. لكن اثنين منهم بقيا الأقرب إلى قلبي وبقينا نتواصل حتى بعد التخرج: عماد وأحمد. بعض الصداقات تنتهي بانتهاء المرحلة الدراسية، وبعضها يختفي تدريجيًا مع مرور الزمن. أما عماد وأحمد فكانا من النوع النادر الذي يبقى حاضرًا حتى بعد أن تتفرق الطرق. كانا يعيشان في المنطقة المقابلة لضاحية النهروان، في ناحية المآب. كنا نلتقي كل صباح في الطريق إلى المدرسة، نركب السيارة نفسها، ونتبادل الأحاديث نفسها تقريبًا، ثم نعود معًا آخر النهار. كانت صداقتنا بسيطة وصادقة، من النوع الذي يتشكل دون تخطيط. ومع مرور الوقت، أصبحت أشعر براحة حقيقية حين أكون معهما، وكأن الحياة خارج البيت والدراسة والحرب ما زالت تحتفظ ببعض المساحات الهادئة. في الوقت نفسه، لم تنقطع علاقتنا بالعائلة التي سكنت بيتنا القديم. بيت "أبو مروان" استمر وسام مع مروان وسهام مع سمر وسرى في زيارتهم، أما أنا فقد وجدت طريقة مختلفة للبقاء على تواصل. كنت أتبادل الرسائل مع الابنة الكبرى، لاغد. لم تكن رسائل حب بالمعنى الذي قد يتخيله البعض، بل رسائل طويلة ومشفرة، نحاول فيها أن نتحدث بعيدًا عن أعين الآخرين. لم يكن لدي شخص أستطيع أن أفتح له قلبي بالكامل واشاركه بما اشعر، لم يكن هناك طبيب نفسي، ولا أحد يمكن أن أجلس معه وأتحدث بحرية عما يدور في رأسي. كنت أحمل أسئلتي وحدي، وأخفيها حتى عن أقرب الناس إليّ. لهذا أصبحت تلك الرسائل متنفسًا صغيرًا. كانت رغد الشخص الذي كنت اشتكي له همومي. واخبرها بالصراع الداخلي. لم تكن تعرف كل شيء عني، لكنها كانت تعرف أكثر مما يعرفه الآخرون. أحيانًا كنت أشعر أنها تستمع إلى ما أعجز عن قوله بصوت مرتفع. ورغم كل ما كان يحدث داخلي، لم أنقطع عن المسجد. كان الجامع المقابل لبيتنا جزءًا من حياتي اليومية. أذهب إليه كل يوم تقريبًا، أبقى فيه ساعات طويلة، أقرأ القرآن وأجلس في صمت وأراقب المصلين وهم يأتون ويذهبون. هناك تعرفت على ابن الخطيب (أو الإمام)، ثم أصبحت مع الوقت واحدًا من الوجوه المعروفة في المسجد. وفي بعض الأيام كنت أرفع الأذان، وفي أيام أخرى أصلي بالناس عندما يُطلب مني ذلك. من الخارج، ربما بدا كل شيء طبيعيًا. شاب يقرأ القرآن، يرتاد المسجد، ويؤذن للمصلين. لكن داخلي كان مختلفًا تمامًا. كلما بدا كل شيء طبيعيًا من الخارج، ازداد شعوري بأن هناك معركة صامتة تدور في الداخل. لم يكن أحد يراها، ولم أكن أعرف كيف أشرحها حتى لو أردت. كنت أبتسم أحيانًا وأتحدث وأمارس حياتي بشكل عادي، بينما في داخلي كانت الأسئلة لا تهدأ. لم أكن راضيًا عن نفسي. لم أكن أحب وجهي. ولا شكلي. ولا حتى الأفكار التي كانت تدور في رأسي. كنت أقف أمام المرآة أحيانًا وأتأمل نفسي طويلًا. لا بحثًا عن عيب محدد، بل لأنني لم أشعر بالرضا. كان هناك دائمًا إحساس ناقص، شيء يجعلني أرى نفسي بصورة مختلفة عما يراه الآخرون. كنت أعيش صراعًا لا أستطيع شرحه لأحد. صراعًا بين الإيمان والشك، بين ما أؤمن به وما أشعر به، بين حياتي أمام الناس وحياتي التي لا يراها أحد. لم يكن شكًا في الله أو في ديني، بل شكًا في نفسي وفي فهمي للأشياء. كنت أؤمن، وأصلي، وأقرأ القرآن، لكنني في الوقت نفسه كنت أبحث عن إجابات لا أجدها بسهولة. وكلما بحثت أكثر، وجدت أسئلة جديدة تنتظرني.