ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 35: القسم الرابع

القسم الرابع

أكمل عمي كريم حديثه وهو يشير بيده نحو الشارع: "هذا الأمر ضروري جداً لإثبات للناس في القضاء بأنكم منهم ومعهم، والاندماج في نسيجهم الحالي هو درعكم الوحيد.. وإلا، فإن الشكوك ستحوم حولكم كعائلة نازحة من بغداد، وقد تواجهون خطر الطرد والتهجير من المنطقة مجدداً. ساد صمت ثقيل ومطبق في الوجوه بعد كلام عمي كريم؛ رأيتُ في عيني والدي انكساراً جديداً وضغطاً نفسياً يفوق الاحتمال. وهو الرجل الذي عاش عمره حراً، ليجد نفسه اليوم مجبراً على الاختيار بين عقيدته أو التظاهر بشعائر أخرى لحماية أطفاله من بطش الطائفية. أما أنا، فقد دارت الأرض بي في تلك اللحظة؛ انقبضت أحشائي وشعرت بلسعة حارقة في إبهامي المجروح تتزامن مع ضربات قلبي المتسارعة. هل أصبح واقع حياتنا المرير في العراق، حيث الصلاة والشعائر بطريقة معينة مسألة حياة أو موت، ووسيلة لإثبات الولاء والاندماج لتجنب التهجير والقتل على الهوية. تذكرتُ مواجهاتي المروعة مع الكيان داخل "محراب الصلاة" في بيت الشيخ حميد ببغداد، وتذكرت كيف كان الكيان يهاجمني ويمنعني من السجود والركوع. تساءلتُ برعب باطن: "إذا كان الكيان قد حوّل صلاتي العادية في غرفتي المغلقة إلى ساحة رعب. فكيف سيكون الحال إذا أُجبرتُ على الذهاب إلى الحسينية والاختلاط بالناس تحت مجهر الرقابة الاجتماعية والطائفية؟" _"هل سيلاحقني الظل إلى هناك ويفضح أمري أمام المصلين؟" كانت فكرة التظاهر بالصلاة لإثبات الولاء للقرية تزيد من ثقل الغربة واللعنة التي تلاحقني، وتؤكد لي أن كل جدران الأمان التي يحاول أعمامي تشييدها حولنا. هي جدران واهية، وأن الشهور القادمة التي سنقضيها في الصواري ستكون مشحونة بصراع البقاء وصراع العقيدة. تحت سقف بيت إسمنتي مظلم يتقاسم أشباحه معنا الفراش والأنفاس. لم تمر سوى أيام قليلة على تلك الجلسة المشحونة في بيت جدي، حتى تحققت أسوأ مخاوفنا وتجسد الخوف الطائفي الذي كان يربض خلف الأبواب. يبدو أن الوشوشات والهمسات في أزقة قضاء الصواري كانت أسرع من محاولاتنا للتواري؛ إذ علم صاحب البيت بطريقتنا في التعبد وانتمائنا لطائفتنا. أو لعلّه فهم الأمر من ملامح عزلتنا وتحفظنا المعتاد. جاءنا الرجل ممتلئاً ببرود قاصٍ، وبحجة واهية ومكشوفة أدعى أنه يحتاج البيت بشكل عاجل وضروري لأمر يخص عائلته، مطالباً إيانا بإخلائه على الفور. كانت النية المبيتة خلف كلامه واضحة كالشمس؛ كان يريد طردنا ونفينا خارج القضاء بأكمله كعائلة نازحة لا تنتمي لنسيج المكان الجديد. لكن، هنا برز الثقل الاجتماعي والاسم العريض لعائلتنا؛ فجدي وأعمامي النجارون والشرطي البحري لهم مكانتهم وهيبتهم التي يعرفها القاصي والداني في الصواري. ولم يكن بإمكان صاحب البيت أن يتجاوز حدود الأدب معهم أو يغامر بفتح مواجهة مع عشيرة مستقرة هناك. لذا، ابتلع رغبته في نفينا، واكتفى بإجبارنا على المغادرة والرحيل عن جدرانه فقط. ورغم أن الأسباب ظلت في دائرة الظنون وغير مؤكدة رسمياً، إلا أن الغصة الطائفية كانت واضحة في نظراته وهو يسلمنا قرار الرحيل. عادت العاصفة لتضرب استقرارنا المؤقت من جديد؛ وأصبحنا نواجه معضلة البحث عن مأوى آخر والوقت يداهمنا. وبعد أيام من القلق والركض المضني لأبي وأعمامي بين شوارع القضاء، وجدوا لنا بيتاً آخر مستأجراً في نفس منطقة الصواري، يبعد عدة شوارع عن منزلنا الأول. كان البيت الأول منزوياً ومتربصاً في نهاية المنطقة، أما البيت الثاني فقد كان يقف في واجهة القضاء تماماً، كأنه يعرض عائلتنا أمام عيون المارة. وكان المشهد من أمامه عارياً ومكشوفاً؛ حيث تمتد الهضبة الترابية المرتفعة مباشرة أمام الباب، وتعلوها سكة الحديد القديمة بقضبانها الصدئة كأنها قيد يطوق أنفاسنا الجديدة. بدأت رحلة التشتت والنزوح الداخلي الصغير؛ كنا ننقل الأغراض البسيطة، والملابس، والصناديق الكرتونية التي لم تكد تستقر في مكانها، شيئاً فشيئاً بين الأزقة تحت أنظار الجيران. وفي اليوم الأخير، جاء الدور على غرفتي الخشبية الصغيرة، ملاذي ومحراب رزقي الشحيح. ربطنا أحزمتها وتجمعنا، أبي وأنا وأعمامي. وبدأنا بسحب البسطية ببطء شديد وحذر بالرغم من ثقلها، نجرها على التراب كأننا نجر هويتنا الممزقة عبر أزقة الصواري. كانت عجلات الخشب تحتك بالأرض وتصدر صريراً حزيناً يشبه أنين قلبي المكتوم؛ كنتُ أسحبها ويدي تضغط على الخشب بعزم، بينما عقلي يتساءل بمرارة: هل ننقل بأيدينا بوابات الرزق، أم أننا ننقل أوتاد اللعنة إلى مسكننا الجديد؟ حين استقرت البسطية أمام البيت الثاني الواجهي، ودخلتُ إلى الغرفة الجديدة، شعرتُ برعب من نوع آخر. هنا أمام الهضبة وسكة القطار، أصبحت المواجهة مباشرة مع العتمة؛ فالقطار الذي كان يمر في الليل مرسلاً دويّه من البعيد، سيصبح الآن يمر فوق رؤوسنا تماماً، مخلفاً اهتزازاً يزلزل جدران البيت الجديد. تسللتُ في المساء نحو حقيبتي القماشية، وأخرجتُ الكِتاب الأسود لأضعه في ركنه الجديد؛ لمحتُ غلافه الجلدي وكأنه يبتسم في الظلام العاري، مؤكداً لي أن الكيان لا يهمه تغيير الشوارع ولا تبديل البيوت، مادام ميثاق الدم يسري في عروقي، ومادمتُ أنا من يحمله بيدي من بيت إلى بيت وسط هذا السكون المرعب. بعد أن استرحنا قليلاً من عناء مشقة نقل الأغراض، وحقائب الثياب المنهكة، وبسطيتنا الخشبية التي سحبناها بحذر شديد بين شوارع قضاء الصواري. بدأت الأيام الأولى في بيتنا الثاني الواجهي تأخذ مجراها. كانت الواجهة المطلة على الهضبة وسكة الحديد تزيد من هيبة السكون حولنا. ولكن الحركة نهاراً كانت تستدعي ترتيباً جديداً؛ اتفقتُ مع والدي على آلية جديدة للعمل في البسطية، وهي التناوب فيما بيننا على الوقوف فيها، ليتسنى لكل منا قسط من الراحة أو التفرغ لالتزامات أخرى. في أحد الأيام الأولى، وعند وقت الضحى حيث تبدأ حرارة الشمس بالتسلل ببطء، تركتُ البسطية بيد أبي وأخبرته بأنني سآخذ استراحة قصيرة. لم يكن جسدي هو المتعب، بل كانت روحي تختنق في عزلتي الباطنية وتحتاج إلى متنفس؛ لذا خرجتُ لأتجول في أزقة المنطقة وشوارع القضاء الترابية. وأنا أمشي تحت غسق الضحى، بدأت خيوط الذاكرة القديمة تلتف حول عقلي، واسترجعتُ أيام طفولتنا البريئة في هذه الأرض حين كنا نذهب إلى المدرسة سوياً، نركض وراء بعضنا دون هموم. تذكرتُ رفاق الطفولة الأقرب: "موسى"، و"أسامة"، و"صفاء". كان "أسامة" هو الأقرب إلى روحي في تلك السنين؛ تذكرتُ أن عائلته كانت تمتلك محلاً كبيراً للأسواق والمواد الغذائية مقتطعاً من بيتهم، تماماً كمحلنا المفقود في حي النهروان. قادتني خطواتي نحو زقاقهم، ودخلتُ المحل بقلب ينبض بالترقب؛ وجدته جالساً هناك، لكن المشهد صدمني.. لقد كان مختلفاً جداً عما استقر في ذاكرتي الطفولية. لقد كبر أسامة، وخط الشارب الأسود طريقه فوق شفتيه ليعلن مغادرته الصارمة لعالم الطفولة. سلمتُ عليه، وحدق في وجهي لثوانٍ حتى استرجع ملامحي المفقودة وتذكرني بلهفة. جلسنا معاً نتحدث عن السنين التي جرفتنا. وعلمت بأنه متزوج الأن. لكنني كنتُ أنظر إلى محله الفاخر وأقارنه بغرفتي الخشبية الصغيرة بمساحتها المتر المربع أمام بيتنا، فشعرتُ بوخزة خفيفة من ضيق الحال. غادرتُ أسامة ورجعتُ إلى البيت مع حلول وقت الظهر الحارق حيث تخلو الأزقة من المارة بفعل الهجير العراقي القاسي. التزمتُ ببيتنا المظلم حتى انكسرت شدة الشمس، وحين أتى وقت العصر بنسماته الباردة، حملتُ نفسي مجدداً وتوجهتُ إلى بيت صديقي الثاني "صفاء". كان بيته بعيداً نسبياً، يقع في الأطراف النائية في آخر المنطقة. تكرر المشهد ذاته؛ فتح لي الباب، وحدق في ملامحي الشاحبة بقناعي الصامت حتى اهتدى إليّ وتذكرني برحابة وحرارة. جلسنا في مضايفهم، وتبادلنا الأحاديث عن شتات العراق وعن السنين الضائعة، وحين سألته عن أحواله، صدمتني إجابته حين علمتُ أنه قد أكمل دراسته الجامعية وأصبح الآن "مدرساً لمادة الاجتماعيات" في إحدى مدارس القضاء السكني. في تلك اللحظة بالذات، انقضّ عليّ ذلك الشعور المحبط والقاتل كأنه صخرة هوت على صدري. تذكرتُ شهادة إعدادية الصناعة الملغاة في يدي، وتذكرتُ تلك السنة الكاملة التي ضاعت مني جليساً للبيت بلا نفع، وسراب معهد المعلمين في حي المآب الذي أغلق أبوابه في وجهي وطالبني بالانتظار للسنة القادمة. نظرتُ إلى صفاء وهو يتحدث بثقة الموظف والمدرس الاستقراري، وشعرتُ بمرارة لا تطاق؛ لقد تقدم عني بفارق كبير، بنى نفسه وحجز مقعده في قطار الحياة، بينما أنا ما زلتُ واقفاً في مكاني. نازحاً من حي إلى حي، وأبيع السجائر على رفوف خشبية شحيحة الرزق، ومحاصراً بلعنة كِتاب أسود يسكن خزانتي المظلمة. جاء وقت المغرب وودعته بخطى ثقيلة جداً، ولم تسعفني طاقتي النفسية المنهكة للذهاب إلى صديقنا الثالث "موسى"، فأجلتُ زيارته ليوم آخر، عائداً إلى البيت وأنا أجر خيبتي المكتومة تحت جنح الظلام. في يوم آخر، وفي محاولة لطرد ركام الإحباط، حزمتُ أمري وذهبتُ إلى بيت "موسى". كنتُ أتذكره في طفولته صبياً نحيفاً وضئيلاً، لكن الصدمة كانت بانتظاري عند عتبة بابهم؛ وجدته قد تحول إلى رجل كبير وضخم البنية، ذي جسد عريض وخدين ممتلئين بالكامل! تعجبتُ بذهول من تلك الضخامة الجسدية الهائلة التي اكتسبها خلال سنين الفراق، وكيف تبدلت الملامح الطفولية الضعيفة إلى هذا القالب الرجولي المهيب. جلسنا سوياً، شربنا الشاي، وتبادلنا الضحكات والذكريات القديمة التي خففت قليلاً من قتامة روحي؛ وعلمتُ خلال الحديث أنه وجد طريقه هو الآخر. أذ أصبح يعمل في أحد المحلات الكبيرة لبيع قطع غيار السيارات في "المنطقة الصناعية" المحاذية لقضاء الصواري، تلك المنطقة التي كان فيه مقهى أبي يومأ وكان يأخذني معه. خرجتُ من بيت موسى عائداً إلى الواجهة حيث بيتنا الثاني المظلم أمام الهضبة، كنتُ أنظر إلى السماء التي أوشكت على العتمة، وأفكر في رفاقي الثلاثة: أسامة بمحله المستقر، وزواجه وصفاء بوظيفته التدريسية، وموسى بعمله في صناعة السيارات. كلهم تحركوا إلى الأمام وشقوا دروبهم، إلا أنا.. بقيتُ الظل الباهت الذي يعيش في الماضي ويقتات على الفتات، حاملاً في صدري سراً مرعباً يعزلني عن البشر وعن أصدقائي. خطوتُ عتبة بيتنا، وتحت أصوات دويّ عجلات القطار التي بدأت تهتز معها جدران الإسمنت الجديدة فوق رأسي، شعرتُ بنبض إبهامي المجروح يشتد. كأن الكيان كان يهمس لي من خلف الخزانة الخشبية في غرفتي المظلمة: "لا تحزن على السنين التي ضاعت من علمك وعملك.. فمستقبلك الحقيقي مدفون هنا معي في قاع هذا الورق الأسود"! استلقيتُ تلك الليلة على فراشي في البيت الثاني، وكان عقلي أشبه بساحة معركة طاحنة تتصارع فيها وجوه أصدقائي الثلاثة؛ زواج "أسامة" واستقراره، وقار الوظيفة في عيني "صفاء"، وضخامة "موسى" الجسدية وعمله في الصناعة. كانت مقارنة نفسي بهم تذبحني من الوريد إلى الوريد؛ أنا خريج الصناعة الذي أُبطلت شهادته، وجليس البيت الذي سرق القطار من عمره سنة كاملة. والنازح الذي تتقاذفه النتقلات ليقف في النهاية خلف بسطية خشبية مترية لا تملك من أمر رزقها شيئاً. كانت تلك الخيبة الاجتماعية أشد ثقلاً من جدران الإسمنت الداكن التي تطوقني. وفي تلك اللحظات المحمومة من منتصف الليل، انشق سكون قضاء الصواري عن الدويّ الأعظم؛ كان القطار قادماً فوق الهضبة المحاذية لبيتنا الجديد مباشرة. هذه المرة لم يكن الصوت بعيداً أو قادماً من الأطراف كما في البيت الأول، بل كان زلزالاً حقيقياً (طق-طق.. طق-طق) عجلات الحديد كانت تطحن القضبان فوق رؤوسنا تماماً. اهتزت الجدران الإسمنتية بعنف، واهتز معها سقف الغرفة العاري، وتراقصت الظلال بعشوائية مرعبة، ومع خفوت صوت القطار تدريجياً وابتعاده نحو المجهول، لم ينتهِ الاهتزاز في غرفتي. نظرتُ نحو زاوية الخزانة الحائطية حيث يربض الكتاب الأسود، ورأيتُ هالة من الدخان الرقيق البارد تخرج من بين شقوق باب الخزانة، متجسدة على شكل ظل بشري طويل بلا ملامح. ظل يمتد ببطء فوق جدار الإسمنت الداكن حتى استقر فوق رأسي مباشرة. لم أعد أشعر بالرعب البدائي الذي كان يتملكني في بغداد، بل شعرتُ بنوع من الاستسلام المرير. فالخيبة التي تركتها زيارة أصدقائي في روحي جعلتني أرى في هذا الكيان الشاهد الوحيد على حقيقة وجودي المكسور. نظرتُ إلى الظل الطويل وقلتُ في نفسي بمرارة صامتة: "الجميع تقدموا وتركوني في محطات الانتظار.. أما أنت، فما زلتَ وفياً لعتمتي، تلاحقني من حي إلى حي، ومن بيت إلى بيت". نبض إبهامي المجروح بضربة حارقة وأخيرة كأنه يوقع على قبول هذا المصير، بينما كان الظل يتقلص ببطء ليعود إلى قاع الورق الأسود. تاركاً إياي في عتمة الليل الواجهي، مستسلماً لركود الوقت، ومنتظراً ما ستحمله الأيام القادمة من الشهر الثاني والأخير لنا في هذه الأرض قبل الانفجار الكبير والرحيل نحو الشمال.