Part 28
أغلق الأستاذ إلياس باب الغرفة بيده بنفسه ، صوت الإغلاق كان خافتا ، لكنه بدا و كأنه فصل العالم الخارجي عن ما سيُقال في الداخل. بقي لوسيان واقفا قرب السرير ، كتفاه مشدودان ، عاري الصدر و آثار التحول لا تزال واضحة على جلده : كدمات داكنة ، تشققات دقيقة كأن الجسد لم يُقرِر بعد أي شكل يريد الاحتفاظ به ، تقدم إلياس ببطء ثم سحب كرسيا و جلس عليه ، لم يأمر لوسيان بالجلوس ، صمت طويل هيمن على الغرفة ثم كسره إلياس بأن قال بهدوء مدروس_ " هل تعرف ماالذي منعك من قتل إيفن اليوم ؟ ". رفع لوسيان راسه ببطء ، تردد ثم تمتم قائلا ... " آلثاك ". هز إلياس رأسه نفيا ... " آلثاك أوقفك جسديا ، لكن ما منعك فعليا كان شيئا أعمق " سكت لحظة ثم تابع .. " رابطة الدم ". تجمد لوسيان في مكانه ثم إستفسر بحذر ... " أي رابطة ؟ ". نهض إلياس ثم إقترب خطوتين فقط ، نظر مباشرة إلى الوشم على جسد لوسيان الذي بدا ساكنا الآن لكنه حي_ " ليست كل الدماء متشابهة يا لوسيان ، و بعضها ... لا يُولد حرا " تنفس بعمق ثم قال الجملة التي غيرت نبرة الغرفة ... " دمك ملعون ". لم يحتج لوسيان أن يسأل ، الكلمة وحدها كانت كافية ... " هذا ليس شتما و لا حكما " أكمل إلياس بصوت ثابت ... " إنه توصيف قديم ... دم وُسم في لحظة ما ، بقرار أو تضحية أو خيانة " إقترب أكثر ثم قال ... " الدم الملعون لا يتحول فقط لأنه غاضب ، بل لأنه يُستدعى ". تذكر لوسيان كلمات آلثاك - ما تشعر به ليس غضبك ... إنه إستدعاء - سأل بصوت خافت ... " إستدعاء من ماذا ". جلس إلياس على حافة الطاولة هذه المرة ... " من الرابطة " رفع إصبعه ببطء ثم رسم دائرة في الهواء ... " حين يُلعن الدم ، لا يُلعن وحده بل يُربط ... بشيء أو بشخص أو بسلالة " نظر مباشرة في عيني لوسيان ثم نبس ... " في حالتك ، الرابطة نشطة ". إبتلع لوسيان ريقه ثم سأل ... " مع من ؟ ". ساد صمت قصير ثم قال إلياس بصوت أخفض ... " مع شخص حي ". تصلبت ملامح لوسيان ... " هذا مستحيل ... أنا لا ... ". قاطعه إلياس بهدوء ... " لا تعرف ، و هذا هو الخطر ". وقف ثم بدأ يمشي ببطء في الغرفة ... " رابطة الدم لا تعني الطاعة ، و لا السيطرة الكاملة ... لكنها تعني أن دمك يتفاعل مع وجود شخص آخر " توقف فجأة ثم تابع ... " يهدأ ... أو يثور ". تذكر لوسيان الساحة : مارغريت ، نصف الخطوة ، الهدوء المؤقت ، حدق فيه إلياس لمدة قصيرة ثم قال و كأنه يقرأ أفكاره _ " عندما دخلت مارغريت الساحة ... إنخفضت هالتك دون أن تتحول ، أليس كذلك ؟ ". لم يُجِب ، لكن الصدمة كانت إعترافا ... " هذه هي الرابطة " تابع .. " ليست رومانسية ، و لا لطيفة و لا آمنة ... إنها قيد قديم ". شد لوسيان قبضته و عض على شفته السفلية بقوة ... " هل هي سبب ما حدث ؟ فقدان السيطرة ؟ ". أجاب إلياس ... " جزئيا ... الدم الملعون حين يشعر بقرب نقطة الرابطة ، يُحاول أن يكتمل ". _ " يكتمل كيف ". نظر إليه إلياس نظرة ثقيلة ... " بالتحول الكامل أو بالدم ". إرتجف صدر لوسيان ... " إذن ... أنا خطر ". لم ينفِ إلياس ... " نعم " ثم أضاف مباشرة قبل أن ينهار المعنى ... " لكنك لست ميؤوسا منك ". إقترب ثم وضع يده على كتف لوسيان ... " السيطرة على الدم الملعون لا تأتي بالقوة بل بالكبت ". سأل لوسيان بصوت مكسور ... " إذن كيف ؟ ". رد إلياس بهدوء ... " بالفهم ... و بالتدريب القاسي ... و بمعرفة حدودك قبل أن تُجبر على تجاوزها " سحب يده من على كتف لوسيان ... " آلثاك يستطيع تعليمك أن تُقاوِم التحول ... لكن ليس كيف تفهم الرابطة " تردد قليلا ثم قال بوضوح ... " و هذا ما يجعل وجود مارغريت خطر و ضروريا في آن واحد ". رفع لوسيان رأسه بسرعة ... " هل تعرف ؟ ". أجاب إلياس بصراحة نادرة ... " أعرف ما يكفي لأخاف ... و أعرف أيضا أن الأكاديمية لن تتجاهل ما حدث اليوم " إستدار نحو الباب ... " ابتداءا من الغد ، ستُعامل كحالة خاصة ". ثم توقف قبل أن يخرج.. " نصيحة أخيرة يا لوسيان " إلتفت إليه ... " لا تسمح للدم أن يختار بدلك من تثق به ". غادر و بقي لوسيان وحده ، نظر إلى يده ثم إلى الوشم و للمرة الأولى لم يشعر أنه يحمل وحشا داخله فقد بل قيد حي ، ينتظر اللحظة المناسبة كي يشده. ~~~~~~~~~~~~~~ كانت الساحة تعج بالطلاب مجددا لكن هذه المرة لم يكن لوسيان في المركز بل مارغريت ، وقفت قرب الدرج الحجري المؤدي إلى جناح المجلس ، ظهرها مستقيم و عباءتها الداكنة ساكنة رغم الريح و كأنها ترفض الاعتراف بالفوضى التي تُحيط بها ، الهمسات بدأت تتصاعد ، نظرات فضول و خوف و ترقب ، الجميع شعر أن شيئا ما على وشك الإنفجار ... خطوات ثقيلة قطعت الساحة - آلثاك - ، كان يسير نحوها دون تردد ، عيناه الذئبيتان ثابتتان عليها ، ملامحه متحجرة لكن تحتها غضب قديم يعرفه من يعرفه فقط ، توقف أمامها على بعد خطوة واحدة ثم قال بصوت منخفض لكنه مسموع_ " ماالذي تظنين أنك تفعلينه ؟ ". لم تنظر إليه مباشرة فقط أجابت ببرود قاتل ... " لا تتدخل فيما لا يُعنيك آلثاك ". ارتفعت الهمسات أكثر ثم إقترب خطوة أخرى و صوته إشتد ... " أنا أستاذ هنا و عضو مجلس ... و أنت طالبتي ". إلتفتت إليه أخيرا ، نظرتها لم تكن غاضبة بل كانت فارغة ... " أنت بالنسبة لي لا شيء ". ساد صمت ثقيل كأن الهواء نفسه إنحبس ، تشنج فك آلثاك لكنه لم يتراجع ... " ما تفعلينه خطر ، وجودك قربه ... ". قاطعته بحدة ، خطوة واحدة للأمام حتى كادت تصطدم بصدره ... " لا تذكر إسمه " توقف الزمن لثانية ثم تابعت و صوتها إنخفض لكنه أصبح أشرس ... " و أيضا ... غادر فالينور ". اتسعت عينا آلثاك قليلا ... " ماذا ؟ ". قالت ببرود متعمد و كل كلمة تخرج من حلقها سكين ... " الأكاديمية لا تحتمل أمثالك ... وجودك هنا يُعقِد كل شيء ". ضحك آلثاك ضحكة قصيرة و مهزوزة ... " أنا هنا منذ قبل أن تطئي هذه الساحة " خفض صوته فجأة ، نبرة شخصية جدا لا تليق بمكان عام ... " أنا أفعل كل شيء من أجلك ". الطلاب صُدِموا و الهمسات تحولت إلى ذهول ، شدت مارغريت قبضتها للحظة ثم قالت الجملة التي لم تكن ينبغي أن تُقال _ " إذن ... لماذا لا تموت ؟ ". ضربت الكلمات آلثاك كلكمة مباشرة في الصدر ، تراجع نصف خطوة دون وعي ، لم يكن الألم في الجملة بل في سهولة نطقها ، إبتلع ريقه ثم إقترب منها مرة أخرى ، صوته إنكسر رغم محاولته السيطرة_ " لو موتي سيُنهي هذا لفعلت ". إتسعت عينا مارغريت للحظة قصيرة جدا ثم أعادت قناع البرود مجددا ، قالت ببرود ... " لا تُبالغ ، أنت لست بطلا و تضحياتك لم أطلبها ". قبض آلثاك على قبضته بقوة حتى ظهرت العروق ... " كل ما فعلته كان لأحميك ". ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح ... " حمايتي " ثم همست بسم واضح ... " أنت أكثر ما أحتاج أن أُحتمى منه ". ساد صمت مرعب حتى الذئاب في الساحة شعروا بإنقباض غريب في صدورهم ، نظر إليها طويلا نظرة لم يفهمها أحد ، لم تكن نظرة أستاذ و لا عضو مجلس بل كانت نظرة أخ يُدرك أنه خسرها ، قال أخيرا بصوت خافت_ " يوما ما ستفهمين لماذا بقيت ". إستدرت دون أن تُجيبه ، خطواتها كانت ثابتة لكنها حين إبتعدت خطوة واحدة فقط إرتعشت أصابعها و لم يلاحظ ذلك أحد إلا المدير فيكتور الذي كان يراقب من الشرفة العليا . عيناه ضيقتان و هو يعرف الحقيقة الوحيدة التي لو إنكشفت لإنكسرت مارغريت ، و تحطم آلثاك تماما ، و بقيت الساحة خلفهما تغلي بالأسئلة بينما السر ظل مدفونا في الدم. ~~~~~~~~~~~~~~~ أغلقت مارغريت باب الغرفة خلفها دون أن تُصدِر صوتا ، لم تكن غرفتها فخمة كما يتخيلها الطلاب بل بسيطة و مرتبة حد القسوة ، كل شيء في مكانه كأن الفوضى ممنوعة حتى من التفكير . أسندت ظهرها إلى الباب للحظة ، لم تنزلق أرضا و لم ترتعِش ، لم تضع يدها على صدرها بل وقفت فقط ثم تحركت ، خلعت عباءتها ببطء و ألقتها على الكرسي . خطواتها كانت محسوبة أكثر من اللازم كأنها تخشى إن توقفت ثانية واحدة أن ينهار شيء لا يمكن إصلاحه ، تقدمت نحو الطاولة الحجرية الصغيرة قرب النافذة ، وضعت كفيها عليها و حدقت في الفراغ ، أنفاسها كانت منتظمة لكن عقلها لم يكن كذلك. همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع ... " لا تبكِ " سكتت لحظة ثم أعادت ثم أعادت الجملة هذه المرة بصرامة أكبر ... " لا تبكِ ... أنت قوية ". رفعت رأسها قليلا و نظرت إلى إنعكاسها في زجاج النافذة ، وجهها كان جامدا و هادئا لا أثر للإنكسار ، لكن عينيها كانتا مختلفتين . عضت على شفتها السفلية بقوة ثم قالت و كأنها تُذكر نفسها بحقيقة يجب أن لا تُنسى_ " هو من تركك قبل عشر سنوات ... هو الذي قرر الرحيل ... هو الذي إختفى " سكتت ثم خرج صوتها مكسورا على غير عادته ... " هو الذي ... ". لم تُكمِل ، ضغطت أصابعها على حافة الطاولة بقوة حتى شعرت بوخز حاد في يدها لكنها لم تنتبه له ، كانت الكلمات تتزاحم في رأسها : صور قديمة ، أصوات و وعود لم تُنفذ ، خرج منها فجأة أنين خافت و كأن الهواء نفسه صار ثقيلا عليها_ " أوف ... لماذا ". خفضت رأسها قليلا و حينها فقط رأت الدم ، خط رفيع أحمر يسيل من راحة يدها ، كانت قد جرحت نفسها دون أن تشعر ، قطعة حجر حادة على حافة الطاولة شقت الجلد ، حدقت في الجرح بلا تعبير ، لم تتحرك و لم ترفع يدها و لم تُطلق تعويذة حتى و لم تستدعِ شفاء. الدم إستمر بالنزول ، قطرة ثم أخرى تسقط على الأرض الحجرية بصوت خافت و منتظم كأنه عداد لشيء يوشك أن ينفجر ، همست بصوت منخفض محادثة نفسها_ " لو كنت بقيت ... لما اضطررت أن أكون هكذا ". ارتجفت شفتاها لجزء من ثانية لكنها شدتهما بسرعة ، رفعت يدها المجروحة قليلا ثم ضغطت عليها بكفها الأخرى دون شفاء فقط ضغط و كأنها تُعاقب نفسها ، قالت ببرود مصطنع_ " لا حاجة للشفاء ... هذا مجرد جرح ". لكنها كانت تعرف بأن الجرح لم يكن في يدها ، كان أعمق و أقدم ينزف منذ عشر سنوات دون أن يلتئم ، وقفت هناك طويلا و الدم يجف ببطء و عقلها يغرق في صمت ثقيل ، مارغريت لم تنهر جسديا لكن في داخلها شيء ما تصدع بصوت لم يسمعه أحد. ~~~~~~~~~~~~~~~ بعد مدة ... لم تشعر مارغريت بدخول فيكتور و لم تسمع وقع خطواته على الأرض الحجرية لكن وجوده كان ثقيلا و مختلفا عن أي وجود آخر ، قال بصوت هادئ و منخفض لا يحمل سلطة بل معرفة قديمة_ " يدك تنزف ". لم تلتفت فورا ، نظرت إلى كفها للحظة كأنها تراه لأول مرة ثم أغلقت أصابعها عليه بلا إكتراث ... " مجرد خدش ". تقدم فيكتور خطوة واحدة فقط ، لم يقترب أكثر و لم يفرض نفسه ، عينيه توقفتا عند الجرح ثم ارتفعتا إلى كتفيها المشدودين و إلى وضعيتها الجامدة أكثر مما يجب ، أردف بهدوء أثقل من أي صراخ_ " يمكنك البكاء ". تصلبت في مكانها و نظرت إليه مليا ، لثانية واحدة فقط كادت أن تنهار ، لكن مارغريت إستدارت فجأة ، واجهته بوجهها و في الحركة نفسها رفعت يدها و مسحت دمعة وحيدة كانت قد فرت من عينها دون إذن ، صوتها خرج باردا و ثابتا و كاذبا بإتقان_ " و لماذا أبكي ؟ " ثم أضافت دون تردد ... " هو بالنسبة لي لا شيء ". لم يُجِب فورا ، نظر إليها طويلا نظرة رجل رأى هذه الكذبة من قبل ، و سمعها من فمها و هي طفلة ، نطق اسمها فقط بصوت يحمل عتابا خفيفا_ " مارغريت ". شدت فكها ، و ارتجفت أنفاسها لوهلة قبل أن تخرج الكلمات بنبرة أقل تماسكا ... " كنت أحتاجه " صمتت و كأن العالم كله توقف عند تلك الجملة ، ثم أكملت بسرعة و كأنها تحاول دفنها قبل أن تسمعها هي نفسها ... " أما الآن فلا ". رفعت رأسها أكثر و عيناها ثابتتان و متحديتان ، لكن الألم كان واضحا في العمق لمن يعرف أين ينظر ، تقدمت خطوة نحوه أخيرا لكنها لم تلمسه ، قالت بصوت منخفض و رجاء لم تحاول إخفاءه_ " أبعده عني ... أرجوك سيدي ". ساد صمت ثقيل ، فيكتور لم يتحرك و لم يقل كلمات مطمئنة و لم يعدها بشيء ، قال فقط و صوته صار أعمق_ " هو لم يتوقف يوما عن مراقبتك من بعيد ". رفعت عينيها إليه بحدة ... " لا أريد أن أعرف ". _ " و لم يتوقف عن حمايتك بطرق لم تريها ". خطت خطوة إلى الخلف كأن الكلمات نفسها تؤلمها إلا أنها قالت بحدة تُخفي ارتجافا ... " الحماية لا تعني شيء إن كنت غائبا " نظر إلى يدها مرة أخرى ثم قال بهدوء ... " و مع ذلك ... أنت لا زلت تنزفين كلما ذُكِر ". لم تجب ، خفضت بصرها للحظة ثم رفعت يدها المجروحة أخيرا و نظرت إليها ، الدم كان قد جف جزئيا ، نبست قائلة لكنها لم تكن متأكدة من صدق كلماتها_" هذا ليس بسببه ". مد فيكتور يده ببطء و لم يلمسها إلا بعد أن سمحت له بصمتها ، أطلقت تعويذة شفاء خفيفة ، الضوء كان باهتا و محترما لألمها الذي كانت تدعي إخفاءه ، قبل أن يختفي الجرح قال جملة واحدة_ " بعض الجراح لا نُعالجها ... بل نتعلم كيف نعيش دون أن تحكمنا ". سحب يده و إستدار نحو الباب ، قبل أن يخرج قال دون أن ينظر إليها ... " سأُبقيه بعيدا ... ليس لأنه لا يعنيك ، بل لأنك لم تعودي تحتملين رؤيته هكذا ". أغلق الباب خلفه و بقيت مارغريت واقفة وحدها ، الجرح شُفي و الدم إختفى لكن يدها بقيت مضمومة كأنها تخشى إن فتحتها أن تنفتح معها اشياء أخرى لم تعد قادرة على إغلاقها.