أكاديمية الدم الملعون

الفصل 29: Part 29

Part 29

{ صباح اليوم التالي }

لم يكن الصباح في فالينور هادئا كما إعتاد أن يكون ، الضباب الذي إعتاد أن ينسحب ببطء عن الأبراح الحجرية ، بقي مُعلقا أكثر من اللازم ، كثيفا و خانقا و كأنه يرفض المغادرة ، الطيور السحرية التي تحوم عادة فوق الساحة لم تظهر و الأجراس الصامتة لم تُصدر ذبذبتها المعتادة مع شروق الشمس ، شيء ما كان يُراقب. بعيدا عن أسوار الأكاديمية ، فوق نتوء صخري مرتفع يطل على الوادي بكامله ، وقف ثلاثة ظلال لا تنتمي لا لليل ... اولهم كان كورفاكس درال بجسده الضخم الأشبه بجدار حي ، نصفه العلوي يبدو بشريا بشكل مشوه : كتفان عريضان و ذراعان مشدودتان بعضلت قديمة . و صدر يحمل آثار معارك لا تُحصى أما نصفه الآخر فكان مغطى بقشور داكنة و سميكة و غير منتظمة كقشور تنين نجا من حريق إلهي ، كل حركة منه كانت تُصدر احتكاكا خافتا كأن جسده نفسه سلاح . سيفه العملاق كان معلقا على خاصرته ، نصل لم يُشهر منذ سنوات لكن مجرد وجوده كان تهديدا ، نظر إلى الأكاديمية بإزدراء واضح و قال بصوت أجش و منخفض ، كأنه يطحن الكلمات بين أسنانه_ " فالينور لا تزال واقفة رغم كل شيء ". لم يكن في صوته دهشة بل استياء ، إلى جانبه وقفت نيمورا فايل ، كانت نقيضه الكامل ، قوامها نحيل و حركتها بطيئة ، ملامحها هادئة إلى حد يُقلق ، عيناها لم تُرفا و هي تُحدِق في الأبراج البعيدة كأنها لا تنظر إلى مبان بل إلى أختام غير مرئية . أصابعها الرفيعة كانت مغطاة بنقوش دموية دائمة محفورة في الجلد نفسه ، لا تُمحى و لا تُخفى ، كل نقش كان طقس و كل طقس كان ذكرى لشيء لشيء لا يجب تكراره . رفعت يدها قليلا و مررت إصبعها في الهواء فتغيرت الذبذبة ، قالت بصوت هادئ و ناعم لكنه لا يحمل أي رحمة_ " الأختام لا تزال قائمة لكنها مرهقة " إلتفتت ببطء نحو كورفاكس و تابعت ... " و حين تُرهق الأختام تبدأ في طلب الدم ". زفر كورفاكس بحدة و قبض على مقبض سيفه دون أن يسحبه ... " الدم الملعون هو الإجابة الواضحة دائما ". لكن قبل أن تُكمِل نيمورا تحرك الظل الثالث ، أزراكيث الصامت ، لم يكن واضحا متى وصل أو إن كان موجودا منذ البداية ، وجهه كان مغطى بقناع أسود أملس لا فتحات و بلا تعابير . كأنه ليس وجها بل حكما ، العباءة الداكنة خلفه لم تكن تتحرك مع الريح بل ضدها ، الظلال عند قدميه لم تكن ثابتة ، كانت تنزلق و تلتف ثم تنكمش كأنها كائنات حية تُصغي ، حين تقدم خطوة واحدة للأمام سكن النقاش : نيمورا خفضت يدها و كورفاكس شد قبضته ثم تركها. الظلال خلف أزراكيث إشتدت و لوهلة قصيرة خُيل و كأنها ترسم دائرة أو ختم ، لم يتكلم لكنه أشار ببطء نحو قلب الأكاديمية ، فهمت نيمورا الإشارة فورا و تغير شيء في عينيها للمرة الأولى ، همست بخفوت_ " الرابطة ". زمجر كورفاكس بصوت منخفض ... " إذن ... مازال حيا ". لم يتحرك أزراكيث لكن الظلال خلفه تغيرت ، لم تعد تتلوى بلا هدف بل إنكمشت ثم امتدت كأنها تُشير إلى نقطة بعيدة و دقيقة داخل حدود الأكاديمية ، لم يكن المكان ما لفت انتباهه بل شخص واحد ... في الساحة ، كان الثاك قد إستدار للتو ، عباءته تتحرك مع الريح و جسده مشدود أكثر من اللازم ، و عيناه الذئبيتان لا تزالان تحملان أثر المواجهة الأخيرة ، لم يكن يعلم بأنه يُرى و هذا بالذات ما جعل الأمر أخطر . ميل طفيف في رأس أزراكيث ، حركة بالكاد تُلاحظ لكن نيمورا لاحظتها ، تغيرت ملامحها الهادئة ليس دهشة بل فهم ، فهم قديم و غير مُريح . أدارت رأسها ببطء نحو أزراكيث ، نظرت إلى الظلال ثم إلى الأكاديمية ثم عادت إليه و على شفتيها إرتسمت إبتسامة خفيفة لا تحمل أي دفء ، أردفت بصوت ناعم شبه ساخر_ " راق لك وجه ذلك الهجين ". لم يكن سؤال بل كان توصيف ، إلتفت كورفاكس فورا و عيناه ضاقتا و صوته خرج خشنا كاحتكاك الحديد ... " هجين ". رفعت نيمورا إصبعها و رسمت خطا وهميا في الهواء كأنها تُفكك كائنا إلى عناصره ... " ذئب لكنه ليس كاملا ، سلطة لكنها ليست مُعلنة ، ولاء لكنه ليس للمجلس " صمتت ثم أضافت بهدوء أخطر ... " و دم لم يخضع رغم كل ما فُرض عليه ". زمجر كورفاكس من جديد ، القشور على جانبه الداكن احتكت ببعضها ... " الهجناء لا مكان لهم بيننا ، تاريخهم واضح ". لكن الظلال خلف أزراكيث اشتدت فجأة و امتدت على الأرض ثم ارتفعت قليلا كأنها تُعارض ، أمالت نيمورا رأسها و عيناها لم تُفارقا القناع الأسود_ " أنت لا تنظر إليه كتهديد " توقفت لحظة ثم همست ... " بل كمفتاح ". سكون ثقيل حل حتى الريح بدت و كأنها خففت سرعتها ، شد كورفاكس على سيفه و صوته صار أخفض لكنه أكثر حدة ... " لا تُخبريني أن المجلس يفكر بإستخدامه ". تحرك أزراكيث أخيرا خطوة واحدة فقط إلى الأمام و الظلال خلفه تشكلت للحظة في هيئة ختم مكسور في طرفه ثم تلاشت ، فهمت نيمورا الرسالة فورا ، أنفاسها تباطأت و نبرتها تغيرت_ " هو مرتبط ". إلتفت كورفاكس إليها بحدة و سأل بفضول ... " بمن ؟ ". لم تُجِب مباشرة ، عيناها عادتا إلى الساحة ، إلى المكان الذي يقف فيه آلثاك يراقب الساحة الفارغة بصمت ، أغمضت عينيها قليلا و جاء في ذهنها صورة المكان الذي تقف فيه مارغريت عادة في المجلس . حتى و إن لم تكن موجودة الآن ، قالت نيمورا بصوت هادئ_ " بسلسلة لا تعرف أنها تلتف حول عنقه " صمتت ثم أضافت بجملة كانت أقرب إلى نبوءة ... " و حين يشدها أحد لن ينكسر وحده " بصق كورفاكس على الأرض الصخرية بإزدراء واضح ... " إذن ... نقتله قبل أن يكتمل ". لكن نيمورا ابتسمت إبتسامة باردة جدا ... " لا ... الهجين لا يُقتل " ثم نظرت إلى أزراكيث مباشرة ... " بل يُراقب حتى يفتح الباب الخطأ ". لم يُعارض أزراكيث و حين لا يُعارض فهذا يعني أن أحدهم سيموت لاحقا ، ليس الآن لكن قريبا بما يكفي ليشعر الدم بالندم ... لم يُبعد أزراكيث عيونه عن آلثاك حتى رآه يختفي في ممرات الأكاديمية ، مالت زاوية فمه بإبتسامة خبيثة و صورة وجه آلثاك لا تزال في رأسه و كأن ابتسامته تلك تقول بأن ذلك الوجه لن يدوم لصاحبه طويلا و سيحصل عليه هو. ~~~~~~~~~~~~~~~~

- أكاديمية فالينور العليا -

كان الصباح قد تسلل إلى غرفة الفتيان دون ضجيج ، ضوء شاحب رمادي إنزلق عبر النافذة العليا و إنكسر على الجدران الحجرية الباردة كأن الشمس نفسها مترددة في دخول هذا المكان ... وقف لوسيان أمام المرآة ، جسده ساكن أكثر مما ينبغي ، عاري الصدر و كتفاه مستقيمان لكن توترهما لا يُخفى كأن عضلاته لم تنس بعد ما حدث في الليلة السابقة. رفع يده ببطء و مرر أصابعه على خاصرته حيث كان الجرح ، لم يعد هناك دم و لم يعد هناك تمزق مفتوح ، فقط أثر باهت و خط غير منتظم على الجلد أغمق قليلا من لون جسده كذكرى ترفض أن تختفي تماما ، حدق فيه طويلا ، الجرح لم يؤلمه و هذا ما أقلقه ... مال قليلا نحو المرآة و راقب إنعكاسه بدقة ليس بحثا بل عن دليل ، أي دليل على أن ما جرى لم يكن حقيقيا لكن جسده لم يكذب ، آثار التحول لا تزال واضحة : خطوط دقيقة قرب الأضلاع ، شد غير طبيعي في الصدر و ذلك الإحساس الغريب بأن جلده لم يعد يناسبه تماما. أنزل يده ببطء و زفر نفسا عميقا ثم حبسه دون وعي ، - مارغريت - لم يكن الإسم كلمة في عقله بل إحساس و ثِقل مفاجئ في صدره ، برودة غير مبررة تسللت إلى أطرافه ، و صدى نظرة لم تكن غاضبة بل واعية . أدار رأسه قليلا كأنه يتوقع أن يراها واقفة خلفه في إنعكاس المرآة ، عباءتها السوداء و وقفتها الصارمة ، تلك المسافة غير المرئية التي رسمتها بينهما بعدما حدث ، لكن الغرفة كانت فارغة و هادئة أكثر من اللازم . تذكر يدها ليس ملمسها بل الضغط الدقيق و المحسوب الذي لم يكن شفقة و لا قسوة ، تذكر كيف توقف الدم تحت أصابعها و كيف لم يتوقف شيء داخله ، شد فكه قليلا لم يكن غاضبا و لم يكن نادما بالشكل التقليدي كان مرتبكا- لماذا هدأ عندما إقتربت ؟ و لماذا إنفلت عندما إبتعدت ؟". خفض بصره للحظة و قبض على حافة المغسلة الحجرية بقوة حتى إبيضت مفاصله ، ثم رفع رأسه مجددا و نظر إلى عينيه في المرآة ، لم ير الوحش و لم ير الطالب رأى شيئا بينهما ، شيئا مقيدا ، كلمات إلياس ترددت في رأسه دون إستئذان_ " الدم الملعون لا يثور فقط ... بل يُستدعى ". إبتلع ريقه ، إن كان هذا صحيحا فما الذي إستدعاه الليلة الماضية ؟ ، لم تكن هناك إجابة فقط ذلك الإحساس الخفي و المزعج بأن الجرح الذي بدأ يلتئم على جلده ليس إلا قشرة رقيقة تخفي شيئا أعمق ، شيئا بدأ يستيقظ ببطء مع كل مرة يفكر فيها بها. لم يكد لوسيان يبتعد عن المرآة حتى سُمع طرق خفيف على الباب ، لم يكن مترددا و لا متعجلا ، طرق يعرفه جيدا ، لم يُجِب لكن الباب انفتح بعد لحظة و دخل جاسون . أغلقه خلفه بهدوء غير مُعتاد ثم توقف قرب المدخل ، نظر إلى لوسيان نظرة سريعة واحدة قبل أن ينقل بصره إلى الجرح الذي بالكاد إختفى تحت القميص ، قال جاسون بنبرة محايدة تُخفي أكثر مما تظهر_ " ما زلت واقفا ". أدار لوسيان رأسه قليلا نحوه ... " لم أنم ". لم يُعلق جاسون ، تقدم خطوتين فقط ثم أسند ظهره إلى الجدار ، عقد ذراعيه و تنفس ببطء كمن يختار كلماته بعناية ... " المدير فيكتور إتخذ قرار هذا الصباح ". تصلب كتفا لوسيان دون أن يلتفت ... " بشأني ". هز جاسون رأسه نفيا ببطء ... " ليس بشكل مباشر و هذا ما يجعله أخطر ". رفع لوسيان نظره إليه أخيرا و قال ... " تكلم ". تنهد جاسون ثم قال بصوت منخفض لكن واضح ... " المدير قرر إرسال لوكاس مع مجموعة من التلاميذ إلى المجلس الأعلى ". ساد صمت قصير كأن الاسم وحده يحتاج وقتا ليُفهم ، سأل لوسيان بحذر ... " من بينهم ". _ " سيرينا ، إيما ، جوناس ، أوليا و آخرون ". قطب لوسيان حاجبيه قليلا ... " هل هذا أمر طبيعي ؟ ". مال جاسون برأسه جانبا كمن يزن إجابة ... " نعم ... و لا " ثم أوضح ... " من حيث المبدأ ؟ نعم ، كل سنة يُرسل المدير فيكتور طلابا جددا إلى المجلس الأعلى ، نوع من التقييم غير الرسمي ، مراقبة و قياس و أحيانا تحذير " سكت لحظة ثم أضاف بنبرة أخفض ... ". لوكاس و سيرينا أصلا من أعضاء مجلس فالينور ، وجودهما في الوفد ليس صدفة ". تذكر لوسيان شيئا فجأة ... " مارغريت ". أومأ جاسون ... " و إيلارا ، أُرسلتا قبل سنوات بالطريقة نفسها ". إقترب لوسيان خطوة ، صوته أصبح أكثر حدة ... " و ماذا يعني هذا ؟ ". تبادل جاسون نظره مع الأرض للحظة ثم قال بصدق غير مريح ... " يعني أن المجلس الأعلى بدأ ينظر مجددا إلى فالينور ... و عندما ينظر لا يفعل ذلك بدافع الفضول ". شد لوسيان قبضته ببطء ثم إستفسر ... " و أنا ؟ ". رفع جاسون نظره إليه مباشرة ... " أنت لم تُدرج في القائمة ". لم يرتح لوسيان بل ازداد قلقه ... " هذا ليس جيدا ". إبتسم جاسون إبتسامة قصيرة بلا مرح ... " بالضبط " إقترب أكثر حتى وقف امامه مباشرة و صوته أصبح أخفض ... " إرسال الآخرين يعني أنهم يريدون صورة ، و إبقاءك هنا يعني أنهم لا يريدونك تحت أنظارهم بعد " سكت ثم أضاف بجملة أثقل من سابقتها ... " على الأقل ... ليس الآن ". مرر لوسيان يده على عنقه ببطء ... " إذن ... ماالذي سيفعله المدير بي ؟ ". تردد جاسون لثانية ثم قال ... " مراقبة غير معلنة ، تدريب خاص ... و عزلة نسبية ". رفع لوسيان حاجبه ... " عزلة ". قال جاسون بوضوح أكبر ... " لن تُمنع من الإختلاط لكن سيتم تقليل الإحتكاك خصوصا مع من قد يُفعل دمك ". لم يحتج لوسيان إلى سؤال من يقصد ، أنزل نظره للحظة ثم قال بصوت ثابت رغم الإضطراب في عينيه ... " هل تعرف متى يغادرون ؟ ". _ " هذا المساء ". ساد صمت ثقيل : الرحيل ، الذهاب إلى المجلس الأعلى ، و هو البقاء هنا مع دم يعرف أكثر مما يقول ، أردف جاسون قائلا و نبرته تغيرت ، أصبحت شخصية أكثر_ " ما حدث البارحة لم يمر دون أثر ، لوسيان ... لا تظن أن إرسالهم مجرد إجراء روتيني ". رفع لوسيان رأسه ، نظر إليه نظرة حادة لكنها واعية ... " و لا تظن أنني سأنهار ". إبتسم جاسون إبتسامة خفيفة هذه المرة ... " لم أقل ذلك " ثم أضاف و هو يتجه نحو الباب ... " لكن كن حذرا ... المجلس الأعلى لا يراقب الضعفاء بل من قد يُغير الميزان " فتح الباب ثم توقف لثانية دون أن يلتفت ... " و أنت ... في مركز الميزان أكثر مما تظن ". خرج و أغلق الباب خلفه ، بقي لوسيان وحده مجددا ، جلس على حافة السرير ببطء ، نظر إلى الأرض ثم إلى يديه ، المجلس الأعلى و الأسماء التي ستغادر ، و اسمه الوحيد الذي لم يُذكر ، همس لنفسه_ " إذن ... بدأ الجميع بالتحرك ". عض على شفته السفلية بقوة ثم أفلتها بعدما شعر بطعم الدم ينزل إلى حلقه ، أخذ نفسا عميقا ثم نهض من السرير و خرج من الغرفة ، يلحق بجاسون متجها إلى الساحة برفقته. ~~~~~~~~~~~~~~~~ كانت غرفة مارغريت ساكنة على غير العادة ، الضوء الصباحي يتسلل عبر النافذة الضيقة و ينعكس على المرآة المثبتة في الجدار المقابل ، وقفت أمامها مستقيمة . عباءتها السوداء نصف مغلقة و أطراف القماش تنسدل على ظهرها لكنها لم تستطع إغلاق الحزام الخلفي ، أصابعها حاولت مرتين ثم توقفت ، لم يكن الأمر صعبا لكن يديها لم تكونا ثابتتين . رفعت ذقنها قليلا و حدقت في إنعكاسها ، وجهها كان كما هو دائما : هادئ و مسيطر و بلا شقوق ظاهرة ، شدت نفسا بطيئا و حاولت مجددا لكن أصابعها لم تصل. في تلك اللحظة ، فُتِح باب الغرفة بعنف دون طرق ، لم تلتفت فورا و لم تحتج إلى ذلك ، عرفت الخطوات ثقيلة و واثقة و لا تعتذر عن وجودها_ " ما علاقتك بالأستاذ آلثاك ". جاء صوت لوكاس مباشرا بلا تمهيد كأنه ألقى سكين في منتصف الغرفة ، إنعكاسه ظهر خلفها في المرآة ، واقفا قرب الباب و ذراعاه معقودتان و نظرته ثابتة عليها لا على صورتها ، أغلقت مارغريت عينيها لثانية واحدة فقط ثم فتحتهما و أجابت دون أن تستدير_ " أستاذ ... و طالبته هذا كل شيء ". ضحك لوكاس ضحكة قصيرة بلا روح ، و خطا خطوتين إلى الأمام ... " هذا ليس ما يبدو عليه الأمر في الساحة ". لم ترد ، مدت يدها مجددا خلف ظهرها تحاول إغلاق الحزام ، الحركة كانت هادئة لكنها غير ناجحة ، لاحظ ذلك فورا ، توقف لوكاس خلفها مباشرة ، المسافة بينهما أصبحت أقرب مما ينبغي ، قال بنبرة أخف لكنها أخطر_ " استديري ... و دعيني أساعدك ". تصلبت للحظة ، لم يكن طلبا كان أمرا مقنعا ، إستدارت ببطء و العباءة لا تزال مفتوحة من الخلف و حين فعلت كان ظهرها هو أول ما واجه لوكاس ، ظهر مستقيم مشدود ، يحمل آثار سنوات من السيطرة الصارمة و خطوط خفيفة قرب الكتفين لا يراها إلا من يقف قريبا ، مد لوكاس يده دون أن يسأل مرة أخرى . أمسك بحزام العباءة و بدأ بإغلاقه ، حركته لم تكن متسرعة بل متعمدة ، شد الحزام بقوة أكبر مما يلزم فإنحبس نفس مارغريت لجزء من ثانية ، كتفاها ارتفعتا قليلا قبل أن تُجبرهما على الثبات ، لم تصدر صوتا لكن لوكاس شعر بذلك ، إنحنى قليلا و صوته إقترب من أذنها دون أن يهمس_ " لا تحبسي أنفاسك ... هذا يفضحك ". قالت ببرود مصطنع ... " إنتهيت ؟ ". لم يُجِب فورا لكنه شد الحزام مرة أخرى ، هذه المرة حتى استقرت العباءة تماما على جسدها ثم تركه ببطء ، لكن يده لم تبتعد فورا _ " آلثاك لا ينظر إليك كطالبة " توقف قليلا ثم أضاف ... " و أنت لا تنظرين إليه كأستاذ ". إستدارت فجأة و واجهته بنظرة حادة كالنصل ... " إنتبه لكلماتك يا لوكاس ". ابتسم إبتسامة خفيفة لكنها لم تصل إلى عينيه ... " أنا أنتبه منذ زمن " خفض صوته أكثر ... " و أعرف متى يتحول الماضي إلى نقطة ضعف ". إقترب خطوة أخرى حتى أصبح قريبا بما يكفي ليحتل مجالها الشخصي دون أن يلمسها ... " السؤال الحقيقي ليس ما علاقتك به " ثم نظر مباشرة إلى عينيها و قال ببطء ... " بل لماذا لا تستطيعين التخلص منه ". لم تُجِب لكن انعاكسها في المرآة خانها : قبضتها المشدودة ، و تلك اللمعة العابرة في عينيها التي لم تستطع إخفاءها في الوقت المناسب. تراجع لوكاس أخيرا خطوة واحدة كمن حصل على ما أراد دون أن ينتزع إعتراف_ " إغلقي بابك جيدا يا مارغريت " ثم أضاف قبل أن يستدير للمغادرة ... " ليس كل من يطرق ... يأتي ليحميك ". أغلق الباب خلفه و بقيت مارغريت وحدها أمام المرآة ، يدها إرتفعت لا إراديا إلى الحزام المشدود حولها ، لم يكن يؤلمها لكنها شعرت به كما شعرت بكل شيء تحاول إنكاره . كان بإمكانها أن تُغلق حزامها بإستعمال أحد التعاويذ السحرية لكنها رفضت ذلك و لم تكن تعلم بأن رفضها لفعل ذلك سيتسبب في دخول لوكاس و إقتحام حياتها و ماضيها.